حكم.. يحكم.. حكماً، فهو حكيم وحاكم. وكما أن للتاريخ رواتَه، وللرأي حكماءه، وللفكر رواده، فللحكم رجاله، وللوطن ملوكه وأمراؤه. هنا المملكة العربية السعودية.. كل شبر، غرب وشرق، شمال وجنوب، هنا مهبط الوحي ومنبع الرسالة، هنا بيت الله وحرمه، هنا طيبة الطيبة مسجد ومثوى نبيه «صلى الله عليه وسلم»، هنا المجد والتاريخ ومنبع الرجال. هنا الرياض، هنا قصر الحكم، هنا كان عبدالعزيز وسعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله، مؤسس وملوك وبناة الدولة السعودية الحديثة. لكل منهم شخصيته وبصمته، شهد كل عهد تحولات وقرارات، قادوا البلاد في مراحل مختلفة وتحديات عدة، كان الثابت الدائم استقرار وبناء، وأمن ورخاء فرحمهم الله رحمة الأبرار. أولئك «حكامٌ» فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا «كُليب» المجامع اليوم هنا سلمان بن عبدالعزيز العلامة الفارقة في تاريخ الدولة، والرقم المهم في معادلاتها السياسية وقراراتها التاريخية. بويع ملكاً بُعيد وفاة أخيه عبدالله فدعا لمبايعة أخيه مقرن ولياً للعهد، في ظروف سياسية بالغة الدقة ومرحلة تاريخية عنوانها الفوضى. قلاقل ونزاعات تحيط بنا، ومحاولات عدة لاستهداف أمننا واستقرارنا ومقدراتنا ووحدتنا، فكان الحزن على وفاة الملك عبدالله -رحمه الله- والقلق من هذه الأوضاع المضطربة، والتساؤل كيف ستؤول الأمور؟ عدا النعيق والنباح من كل حدب وجُحر!. فأتى الرد سريعاً حاسماً هنا بيت الحُكم والحِكمة، فلسنا طارئين على مُلك ولا حدثاء عهد بسياسة. يا ابن الذي ملك الدنيا بعزمته وبالمواضي وأعطى كل مخزون لازلت تتلوه مستناً بسنته بأساً وجوداً وعزاً غير مخبون وبحجم الحزن كان الفرح، وبحجم القلق كان الاطمئنان وبحجم التشاؤم كان التفاؤل، هذا قدر الكبار أن يكونوا في مواجهة الأحداث وأن يتصدوا للمدلهمات. خلال سويعات وجه إلى الأمة خطابه الملكي الأول، صبيحة يوم إجازة حزين، ليرسل إشارته الأولى عن أهمية الوقت والتوقيت. بعدها أُعلنت الأوامر الملكية بتعيين محمد بن نايف ولياً لولي العهد ترسيخاً للحكم، واستقراراً للوطن، وتطميناً للشعب، وقهراً للأعداء. وتعيين محمد بن سلمان وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان ثقة بالشباب وتكريساً لدورهم في قادم الأيام. سلمان بخبرته وحنكته يعرف كيف ومتى تُصدر القرارات، ولمن تُرسل الإشارات وأين تُعطى الدلالات. ولا عجب أن تكون هذه أول قرارات سلمان الملك. فقد تخرج في مدرسة عبدالعزيز وتدرج مع الملوك، اعتنى بالقراءة والاستزادة من المعرفة. ملك موسوعي، عميد المؤرخين، وصديق المثقفين، وزميل الإعلاميين، وجليس العلماء، ونصير الضعفاء. يعرف الناس ويعرف عنهم، في الإمارة مهارة وفي القيادة مدرسة. تولى إمارة الرياض وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره. أظهر فيها فنون الحكم، وأنواع القيادة، ومواهب الريادة، صنع من الرياض «معجزة فوق الرمال». دقة في المواعيد، بركة في الوقت، سرعة في الإنجاز وعلاقات مع مختلف المراتب والأطياف. يقضي يومه في البت فيما يعرض عليه من معاملات وقضاء حوائج الخلق بين إعانة محتاج، ونصرة مظلوم، وإغاثة ملهوف، وزيارة مريض، وتعزية في فقيد، ورعاية مُناسبة، ورئاسة اجتماع. عمل مع الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله رحم الله الجميع، فكان الأمير المعين والمستشار المؤتمن، والركن الركين. حين يُذكر التطوير فثَم سلمان، وحين يشار إلى العمل الخيري والإغاثي فهناك سلمان. في الداخل تعرفه جمعيات البر والأيتام والمعاقون والسجناء والمعسرون… وفي الخارج تذكره شعوب فلسطين والجزائر وأفغانستان والبوسنة والهرسك، وغيرها كثير.يذكره المبتعثون الدارسون في الولاياتالمتحدة، ففي بداية الثمانينيات الميلادية زار عدة ولايات التقى خلالها الطلبة في لقاءات شفافة وحوارات مفتوحة. حينها قاد الحماس بعضهم إلى تجاوز حدود اللباقة واللياقة فكان تعامله أبوياً راقياً حمل همومهم ومطالبهم إلى القيادة، بعدها بأشهُر حُلت مواضيعهم وزيدت مكافآتهم ولم يُستثن أحد. وحين زار دولاً عدة إبان ولايته للعهد حرص على الاجتماع بالطلبة ودعمهم ووجه بضم الدارسين على حسابهم إلى البعثة. ذاك هو سلمان مؤمن بالشباب وخيرٌ أينما حل و ارتحل. ثقل سلمان الدولي برز في الوفود الرسمية التي أتت معزية في الملك عبدالله -رحمه الله- وتهنئة الملك سلمان بتوليه الحكم. وفي سابقة لافتة حضر الرئيس الأمريكي باراك أوباما على رأس وفد ضم 30 عضواً من الكونجرس وأركان الإدارة وبعض المسؤولين السابقين. بالتأكيد كل أولئك لم يأتوا للتعزية والتهنئة فقط، بل ليتحدثوا ويتناقشوا مع سلمان الملك. سلمان للحكم عنوان، وللوفاء رمز، وللشعب عزاء وأمل. أما عن سعة أفقه وبعد نظره فيقول غازي القصيبي -رحمه الله- في كتابه «حياة في الإدارة» إنه في منتصف الستينيات وقبل حصوله على الدكتوراه جاء الملك سلمان في زيارة رسمية إلى البحرين: «في لقائنا الأول تنبأ «الأمير» سلمان أنني سأصبح وزيراً ذات يوم»! أما عن عمله المتواصل وسرعة إنجاز المعاملات، فقبل أعوام كان لي معاملة في إمارة الرياض وقابلت مدير مكتب الأمير حينها- الرجل الشهم- الدكتور ناصر الداوود، كان «الأمير» خارج المملكة فأجابني الدكتور بأن المعاملة ستعرض على سموه ولعلمي بسفره ظننت الأمر سيطول.. فوجئت بعد أيام بمهاتفة الدكتور ناصر يبلغني بالإجراء، وحين استغربت قال: تم إرسالها مع المعاملات «للأمير»! فشكرت الدكتور ودعوت لسلمان. وعن دقة متابعته لما يُنشر فيروي سيدي الوالد -حفظه الله- أنه في السبعينيات الميلادية كتب مقالاً في مجلة اليمامة عن شهادات الدكتوراه المزيفة بعنوان «وقد يجهل الإنسان وهو مدكتر» وحين قابل الملك سلمان بعدها قال له: أعرف من تقصد!! لستُ هنا بصدد سرد سيرة ومسيرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- ولكني سأتوقف عند قرارات الأسبوع الأول ومدلولاتها فالأربعة وثلاثون أمراً ملكياً حملت دلالات ومؤشرات عن رؤية تجديدية للدولة، وترسيخ لأمنها واستقرارها، وتنميتها ونمائها، وإعادة هيكلة الحكومة في سعي لإسراع وتيرة العمل ومنع الازدواجية، وتوحيد الجهود والتوجهات، وسرعة الإنجاز، واستثمار الوقت والطاقات والكفاءات، ورهان على الشباب، إضافة إلى إسعاد الشعب بكل فئاته وخدمة المواطن أينما كان، فلكل مرحلة متطلباتها وضروراتها. أما الإعفاءات والتعيينات فتهدف إلى الانسجام والتفاعل والاستفادة من الكفاءات كل في موقعه. فشكراً لكل من خدم الوطن في أي موقع وأدى أمانته، وأعان الله كل قادم إلى الخدمة العامة، ورحم الله أبامتعب ولك الحمد ربنا أن عوضتنا بأبي فهد: ياخادم الحرمين بورك موطن في العالمين ملوكه خُدامُ فأكمل بشعبك تكتمل فلطالما نقصت بغير شعوبها الحكام