تتعلم حين تقرأ السير الذاتية لأي متقدم لوظيفة ما أن تفلتر الكلام المكتوب، لأن بعض الناس قد لا يكذبون لكنهم يتجملون، أو لنقل أنهم يحسنون الظن بأنفسهم كثيرا أو يرون أنفسهم تحت منظار يكبر كل قدراتهم فيبدون وكأنهم كائنات خارقة أو تكون "الأنا" لديهم بالونية منتفخة. ميزة من يعملون في مجال البحث العلمي أن التحقق من الانتاجية العلمية للأشخاص سهلة، فيمكن أن يأتيك شخص ويقول ان لديه براءة اختراع أو أنه طلب للعمل في جامعة دولية عريقة لما يملكه من إصدارات علمية وأبحاث منشورة، لكنك تستطيع أن تخضع كل كلمة يقولها عن نفسه لتدقيق لتعرف المبالغة من الحقيقة، وما أكثر الذين يتحدثون عن إنجازات خيالية حالمة في زمن "أول من" وزمن التسويق فيه لا يحتاج لمجهود مع تعطش وسائل الاعلام لما تملأ به صفحاتها وكثرة وسائل التواصل عبر الشبكات الاجتماعية فيمكنك أن تدعي أنك "سوبرمان" أو أنك "رفضت جائزة نوبل" أو أن "الجماعة في المريخ اتصلوا بك ليأخذوا رأيك الحكيم في تنقية الهواء" وحتما ستجد من يصدقك أو من يسوق لك. فمشكلة وسائل الاعلام ومرتادي شبكات التواصل أنهم لا يمارسون التدقيق في كل ما يكتب أو يقال ويكتفون بالمصدر الذي قد يسوق لنفسه. مع أن الأمر سهل والتحقق من المعلومات لا يحتاج سوى جلوس على الكومبيوتر أمام محركات البحث لمدة خمس دقائق! كما قلت لكم ميزة البحث العلمي أنك لا تستطيع أن تكذب أبدا ولا أن تنسب لنفسك عملا لم تقم به، فمحركات البحث العلمي توثق كل الأبحاث المنشورة بأسماء أصحابها وتاريخ نشرها وتقييم المجلة المحكمة التي نشرت بها، فلا يمكنك أن تدعي مثلا أنك نشرت بحثا متميزا هو الأول من نوعه بينما المجلة العلمية المحكمة التي نشر فيها لا تلقى تقييما عاليا. بمعنى لا يمكنك أن تتجمل أمام زملائك في المجال العلمي لأنهم يعرفون ويفهمون. لكن قد تنشر خبرا هنا أو هناك يمر في الصحف العربية ويصفق لك البعض، والسبب أن هذه الصحف تفتقد للمحرر ذي الخلفية العلمية الذي يعرف كيف يتحقق من هذه الأخبار. في الدول المتقدمة تحكمك الدوريات العلمية بقواعد خاصة لنشر أخبار عن الأبحاث المنشورة فيها، كما أن الصحف هناك لديها محررون علميون مختصون لذلك تكون الأخبار العلمية دقيقة ومبسطة حين تنشر في الصحف وتكون أيضا موثقة بعيدة عن التضخيم والتضليل للقارئ العادي وهذا ما نحتاجه. قبل فترة انتشر خبر عن بحث علمي وذكر اسم الباحث الأجبني ومكان عمله وكتب في بعض الصحف العربية وتناقله الجميع في تويتر حين بحثت عن اسم الباحث الأجنبي واسم الجامعة لم يكن لهما وجود، وحين حاولت أن أجد توثيقا للبحث لم أجده، الخبر كان يحوي معلومات خاطئة يعرفها أي طالب سنة أولى في كلية العلوم أو الطب لكن يبدو أنه من تلك الأخبار المفبركة التي تحاول بعض التيارات الفكرية نشرها لدعم وجهة نظر أو لتضليل الرأي العام أو لملء الفراغ. ما أثار استغرابي هو سرعة نقل الناس للخبر وسرعة تصديقهم له ولم يحاول أحد منهم أن يدقق في صحة الخبر أو المعلومة. الآن ومع سهولة الوصول للمعلومة كل ما نحتاجه هو أن نبحث قليلا للتأكد من صحتها قبل أن ننسج أخبارا وهمية أو نصنع أبطالا من ورق. وبيني وبينكم أنا شخصيا مللت من الأوهام الورقية!