90% نموا بصافي المطلوبات الخارجية بالبنوك    انعقاد اجتماع أمناء عموم الغرف التجارية بالمملكة في مقر غرفة جازان للمرة الأولى    المملكة من Davos: الاستثمار في رأس المال البشري ركيزة التنافسية    وزراء خارجية المملكة و7 دول يرحبون بالدعوة للانضمام إلى مجلس السلام    تحالف دعم الشرعية في اليمن: ندين الهجوم الإرهابي على موكب قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة    بحضور أكثر من 16 ألف متفرج .. النصر يتغلب على ضمك بثنائية في دوري روشن للمحترفين        التعادل السلبي يخيم على مواجهة الاتفاق ونيوم في دوري روشن للمحترفين    إنقاذ 5 آلاف شخص علقوا في الأودية    41 مليون عملية إلكترونية عبر أبشر    نائب وزير الدفاع يرعى حفل تخريج الدفعة 107 من طلبة كلية الملك فيصل الجوية    حائل تستعد لانطلاق النسخة ال 21 من رالي باها حائل تويوتا الدولي    «العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية» راعيًا بلاتينيًا ل" منتدى مستقبل العقار 2026" الخامس    وزير الخارجية يلتقي وزيرة خارجية بريطانيا    شهادة إعداد الحياة الزوجية    تعليم الطائف يدشّن مبادرة "الفصول التعليمية المتنقلة"    عبدالعزيز بن سعد يستقبل رئيس جامعة حائل    أمير حائل يقدّم العزاء لأسرة القنون    مواجهات مرتقبة في الأسبوع الخامس عشر من موسم سباقات الرياض    3 حقوق للمستفيدين عند إيقاف خدمة المياه    كلية الملك خالد العسكرية تحتفل بتخريج دورة العروض العسكرية ومهارات السلاح في نسختها الثانية    نائب أمير جازان يشهد حفل ختام أعمال تجمع جازان الصحي 2025    مستشفى الأفلاج العام يسجّل مؤشرات نوعية في الخدمات الصحية لعام 2025    تدشين الجناح السعودي في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    مجلس التجارة والاستثمار السعودي الأمريكي يعقد اجتماعه التاسع ويناقش 31 مبادرة مشتركة    وزير الداخلية: إطلاق برنامج الأحياء المطوّرة يعكس دعم القيادة للعناية بمكة المكرمة وتحسين جودة الحياة    المملكة تُدين وتستنكر تفجيرًا إرهابيًا بكابل أسفر عن قتلى ومصابين من الأفغان والصينيين    إطلاق 12 كائنا فطريا في متنزه السودة الوطني    بلدية محافظة صبيا تواصل أعمال السفلتة في مخطط أبو السلع    أمانة القصيم تُنفذ 2358 جولة رقابية بمحافظة عقلة الصقور خلال الربع الرابع لعام 2025م    تدشين أولى فعاليات سفارة جمعية الأدب برجال ألمع لعام 2026 بندوة ثقافية نوعية    تقنية الطائف تستقبل 950 متدربا مستجدا للفصل التدريبي الثاني    أسعار الذهب تتجاوز حاجز 4800 دولار للمرة الأولى    مجلس الوزراء يرحب بانطلاق المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة في غزة    أمانة الشرقية والأوقاف الصحية تبحثان تأهيل متعافي الإدمان    السديس يدشّن ركن «هداية» وإجابة السائلين بالمسجد الحرام    كيف تجعل نفسك قدوة تحمل الخير؟    إدانة سعودية لهدم الاحتلال مبانيَ تابعة ل«الأونروا»    200 طالب وطالبة يتنافسون في «إبداع 2026» لتمثيل المملكة دولياً    اعتماد إجراء «كرمشة المعدة» دون قص أو تحويل مسار بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان    وزارة الخارجية تعرب عن تعازي المملكة لذوي الضحايا ولشعب وحكومة باكستان جراء الحريق الذي وقع في مركز تجاري بكراتشي    سورية تنتصر لوحدتها واستقرارها    قصر الأمير سعد بن سعود يجسد شغفه بالعمارة والابتكار    أين نيشان!؟    القراءة بين النقد والتنمر    وسط تصاعد العنف في كردفان.. الجيش السوداني يقترب من فك حصار الدلنج    في خطوة تهدف إلى التهدئة.. العراق يسعى لحوار أمريكي– إيراني    لبنان تتقدم في ملف حصر السلاح بيد الدولة    القادسية قادم بقوة    «الحج»: الالتزام بالإرشادات يضمن أداء المناسك بطمأنينة    صيني يحطم أثاث منزله بسبب «غسالة»    في الجولة السابعة لدوري أبطال أوروبا.. ليفربول في اختبار مرسيليا.. وبرشلونة ضيفاً على سلافيا براغ    المملكة تواسي باكستان في ضحايا حريق كراتشي    نظارات تساعد مرضى الزهايمر على التذكر    أمسية ثقافية تفتح ملف تحولات الكتابة    آل كاسي يحصل على درجة البكالوريوس في القانون من جامعة الملك خالد    محافظ الطائف يدشّن حزمة مشاريع تطويرية بتجمع الطائف الصحي    الفقد منعطفاً… فكيف نواصل الحياة؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العرب... والفرص الضائعة!!
نشر في الرياض يوم 07 - 05 - 2012

أضاع العرب فرصة تاريخية عشية استقلالهم عن الاستعمار فوقعوا في قبضة استبداد لا نظير له. الفارق انهم حينذاك كانوا أكثر استعداداً لمواجهة الواقع بالأحلام العذاب .. أما اليوم فهم منشغلون بتدهور حياتهم على كل الأصعدة، ومعها هذا الانقسام الكبير الذي يفتت الجهد ويعطل القدرة ويراكم الإحباط
غياب نماذج الإنجاز الكبرى في بلاد العرب، ظاهرة ظلت تلقي بظلال من الشكوك حول قدرة الدولة العربية على الخروج من عجز الدولة إلى دولة الإنجاز، وذلك طيلة نصف قرن مضى أو يزيد.. أما اليوم فالقلق أن تجر التغييرات الكبرى جسد الدولة إلى حالة تفتيت وانقسام ينذر بالشلل الكامل أو الفشل الكامل.
الفرص الضائعة، هو عنوان وسمة مراحل مرت بها الدولة العربية منذ عهود الاستقلال. أضاع العرب الفرصة الأهم في تاريخهم عشية الاستقلال. لم يحصنوا الدولة الناشئة برحيل الاستعمار أو الانتداب، فوقعت بعد سنوات قليلة في يد المغامرين من العسكر وسواهم.. حتى استسلمت لأشدهم سلطوية وديكتاتورية وجهوزية لبناء دولة القمع والإلغاء... لتتوارث الشعوب سنوات من العناء والبطش والتراجع.. ولتنزلق لحافة الدولة الفاشلة..
وعندما استيقظت على عام التغييرات الكبرى، فإذا بها تستعيد ذات طموحات دولة ما قبل الاستقلال. الفارق أن المجتمعات العربية اليوم ليست تلك التي كانت قبل نصف قرن أو يزيد.. انها مجتمعات تجر أذيال الخيبة والفشل والإفقار والحرمان وآثار القمع والاستيلاء... والأهم من كل هذا انها منقسمة متوترة تفتقد للثقة بذاتها وببعضها البعض.. إنه التخريب الشامل الذي طال كثيرا من العلاقات وخلف تركة ثقيلة يبدو اليوم التخلص من أعبائها مكلفًا وشاقاً.
حمل الاستقلال وجوه زعامات وطنية، حظيت بكثير من التقدير والاعتراف. كان ثمة علاقة مختلفة، لم تصنعها سلطوية الدولة.. واحتكار وسائل العنف باسم الحزب أو مجلس قيادة الثورة.. إنما صنعتها زعامات سياسية بقامة تلك المرحلة.. وكان ثمة تدافع بين القوى السياسية، وثمة أخطاء وارتكابات إلا أنه لم يكن هناك أنظمة على شاكلة ما حملته الأنظمة الانقلابية التي قضت على جنين الدولة الحلم.
في مصر وسورية والعراق. الحواضر العربية الكبرى، كانت المبشرات الأولى لمسار يمكن أن ينقذ العرب من كابوس طويل يجرون أذياله اليوم وربما لسنوات طويلة قادمة.. فلا مؤشرات اليوم لاستعادة سهلة لدولة وطنية لكل مواطنيها ناهضة منجزة قادرة على صناعة عالم يتوق للحياة لا أن يستسلم للموت يأتيه من كل مكان.
دشن حسني الزعيم عصر الانقلابات في سورية عام 1949 وعبدالناصر في مصر عام 1952 وعبدالكريم قاسم في العراق عام 1958. جرت مياه كثيرة في نهر العرب منذ ذلك الحين.. اقرؤوا ملامح دولة الاستقلال والدستور في تلك الحواضر عشية رحيل المستعمر، اقرؤوا ملامح الزعامات وأجواء الحريات وأحلام المرحلة وصراعاتها.. لتروا انها كانت مختبرا متقدما في حينه لو امتد مسار التغيير. حتما لم تكن مثالية وليست بدون مظالم وليست بدون صراعات داخلية ودولية، ولكنها كانت تمضي في حالة تدافع متقدم وأوضاع اقتصادية مبشرة وانسجام اجتماعي تتسع رقعته لتتجاوز الاثني والطائفي لتصل الى أحلام وطن كبير.
إنها الفرصة الضائعة التي أهدرها العرب، عندما تآمروا على هذ المسار ليحلقوا بمسار الثورية المزيفة، والأحزاب القومية الشوفينية والانقلابات العسكرية.. ليبدأ التطاحن والصراع على السلطة.. حتى وصل أكثرهم قدرة على الفتك بالقوى الحية وإرهاقها وإذلالها وإفقارها وتدمير مقوماتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
أحلام زعامات حضرت وغابت.. علقت على الاستعمار حبال التشرذم والتخلف وعلى المؤامرة الكونية كل إخفاقاتها وهزائمها.. داعبت مشاعر المهمشين والفقراء حيناً لتنال من الطبقة البرجوازية والمعارضين أحياناً كثيرة.. انتقمت مع الاغنياء والصناعيين تحت حجية الإقطاع لكنها خلفت أرضاً يباباً أورثت الفلاح العربي الفقر ودفعت أبناءه لأبواب الهجرة المرة.. سخرت آلتها الإعلامية للنيل من زعامات العهد البائد ووصمتها بالفساد وأطلقت لأجهزة المخابرات العنان لتعبث بكل شيء.. وتغلق الأفق بالسجون والمعتقلات الرهيبة. مانعت الكيان الإسرائيلي بالخطب الجوفاء.. فاستولى العدو على بقية الأرض العربية. الحصاد المر، لم يكن ليتوقف، طيلة ستة عقود أضاع العرب الفرص الواحدة تلو الأخرى.
واليوم وبعد هذا التسونامي العربي الذي يوحي بمدى الاحتقان الكبير الذي خلفته تلك التركة الثقيلة، تبدو الفرصة الثمينة تلوح في الأفق.. كما تلوح أيضا مخاوف الإخفاق.. التي ستقود لا محالة لو حدثت إلى التفكك والإنهاك الكبير والتأزم الطويل.
العراق وسورية أكثر البلدان العربية معاناة طيلة ستة عقود وفيهما تجسدت أبشع ممارسات النظم السلطوية وأكثرها انتهاكا وأشدها وطأة على مواطنيها وعلى المنطقة. فيهما تتبدى الهزيمة الكبرى التي أحالت بلدين عربيين غنيين بمقومات الحياة إلى أشلاء تتنازع على بقايا أرض محروقة.
لا براءة للغرب المتورط في دعم نظم القمع والاستبداد والانقلابات العسكرية. خرج الاستعمار القديم من باب الانتداب، ودخل من شباك السلطة الانقلابية الجديدة على خط الصراع عبر دعم وتشجيع انقلابات وانقلابات مضادة. لعبة الامم لازالت حاضرة في مشهد التغيير. إلا أن هذا التمكين لم يكن ليحدث لولا براعة العرب في إضاعة فرص كان يمكن أن تنقلهم من عهدة الديكتاتور إلى عهدة نظام يؤمن بأن المستقبل لم يعد فيه مكان لسلطة مطلقة يحكم القبضة عليها حزب وحيد مطلق ويقف على رأسها زعيم ملهم لا شبيه له أو نظير!!
أهدر العرب فرصتهم في رعاية دولة وليدة ناشئة وتحصينها من أحلام المغامرين باستسلامهم لاستيلاء الانقلابيين.. ليحدث فيما بعد أكبر انتهاك سلبهم قدرتهم على صناعة مستقبلهم.
متابعة ما يحدث في سورية اليوم من بطش نظام لا يعرف الحدود والقيود.. ومن ممانعة الشعب الذي قدم ولازال أعظم التضحيات في سبيل الخلاص من أكثر النظم بشاعة ودموية.. يوحي بأن كل جرائم القرن الماضي التي سودت من أجلها الكتب وترسمت ملامح بارزة في تاريخ العرب الحديث.. ليست سوى ذاكرة عابرة أمام كابوس انتهاكات غير مسبوقة في دمويتها وشناعتها.
أطلق السوريون على جمال باشا الذي كان يحكم سورية في العهد التركي عشية الحرب العالمية الأولى جمال السفاح لأنه شنق عدداً من الناشطين السياسيين المتآمرين على الدولة التركية.. أستعيد جرائم الاستعمار الفرنسي أثناء ثورة الاستقلال.. تتوارى تلك الجرائم خجلاً أمام ما يحدث اليوم في سورية.. تتوارى أمام جرائم لا حدود لها.. مدن تدمر وأحياء تدك وبشر يقتلون كل ثانية وشهداء بالآلاف ومعتقلون بعشرات الالاف ومهجرون ونازحون بمئات الالاف..
تتفاعل الأحداث في المشرق والمغرب العربي في بلدان تخلصت للتو من نظام معطل ولكنها تمر بمراحل صعبة تكشف ان عهدة الأنظمة الراحلة ثقيلة وباهظة الكلفة. وإن كان من حتميات التاريخ انه لا يعيد نفسه، وانه ماض في طريق تصاعدي مهما بلغت المشاق ومهما بلغت المتشابهات في مأزق الأزمات والتركات الثقيلة التي تراكمت خلال عقود الضياع.
أضاع العرب فرصة تاريخية عشية استقلالهم عن الاستعمار فوقعوا في قبضة استبداد لا نظير له. الفارق انهم حينذاك كانوا أكثر استعداداً لمواجهة الواقع بالأحلام العذاب.. أما اليوم فهم منشغلون بتدهور حياتهم على كل الأصعدة، ومعها هذا الانقسام الكبير الذي يفتت الجهد ويعطل القدرة ويراكم الاحباط.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.