يبدو أن الكثير من المفكرين والكتّاب العرب مازال ينطلق في تفكيره من القاعدة المتوارثة «ونحن أناس لا توسط بيننا» حيث الرفض التام أو القبول التام، وحيث الاعتراض المطلق أو الاحتضان المطلق لأي قضية تبرز على السطح. الشواهد كثيرة ومتكررة وهي لا تتوقف، مادامت العقلية العربية تفكر بهذه الطريقة، وترفض تجاوز سطح القضية أو الموقف والغوص لمعرفة ما تحت السطح. حينما فاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما في انتخابات بلاده وأصبح رئيساً للولايات المتحدةالأمريكية كانت هذه العقلية حاضرة. فالبعض بشر بانتصار القضايا العربية، وصور الموقف وكأن الرئيس، الذي يحمل اسماً عربياً، سيركب طائرته صباح اليوم التالي ليسلم لنا مفاتيح القدس ويجمع شتات الفلسطينيين المهاجرين في أصقاع الأرض ويعيدهم إلى بلادهم، ويمنحهم القروض والهبات لإعمار دولتهم الجديدة. البعض الآخر سخر من الرئيس ذي البشرة السوداء، وكاد أن يستحضر، بعقلية عربية ساخرة، كل قصائد المتنبي في حاكم مصر في حينه كافور الاخشيدي. المشهد نراه يتكرر الآن مع تركيا ومع حزب العدالة والتنمية وتحديداً مع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. انقسم الكتّاب العرب إلى صنفين، أحدهما يحذر من الاستعمار العثماني القادم ويدعو إلى الوقوف الحازم ضد الحقبة الأردوغائية التي يخطط لها ويقودها رجب طيب أردوغان السيطرة على العالم العربي، ويسعى من خلال ما يكتبه إلى تصوير أردوغان هذا وكأنه أحد قياديي الحكومة الإسرائيلية أو أحد أعضاء أحزاب اليمين المتطرف في بعض الدول الأوروبية. الفريق الثاني يصور أردوغان وحزبه وتركيا وكأنهم النصر القادم للأمة الذين سيعيدون أمجادها ولم يبق على ذلك الفريق إلا تنصيب أردوغان ومبايعته خليفة ووصياً وملكاً لملوك ورؤساء العرب والمسلمين. للأسف الشديد أن العقلية العربية الحدية، أو المتطرفة في النظر للمواقف والأحداث، التي لا تسمح بالتوسط عند النظر للأمور حجبت عن هؤلاء القراءة الحقيقية والصادقة للتعامل مع الوضع التركي والدور التركي بل والبروز والحضور الذي حدث لتركيا في السنوات الأخيرة. كنت أتمنى أن يكون هناك تحليل أعمق، ونظرة متوازنة، والغوص فيما وراء الحالة لمعرفة أبعادها وكافة جوانبها. كان الأولى أن نطرح السؤال بطريقة نسعى من خلالها لمعرفة لماذا، وخلال أقل من عشر سنوات، انتقلت تركيا من دور إلى دور آخر، ومن أسلوب للتعامل مع الجيران ومع الآخرين إلى أسلوب مختلف؟ كيف نجحت تركيا وخلال هذه المدة الوجيزة في عمر الدول أن تلعب هذا الدور؟ وكيف استطاعت تركيا وفي ظرف زماني صعب وفي مرحلة سياسية واقتصادية غير مستقرة الوصول إلى ما وصلت إليه. بلد يئن في العام 2002م تحت وطأة الضعف الاقتصادي والتضخم وانهيار العملة وتراكم الديون وازدياد البطالة (بلد اجتمعت عليه المصائب من كل جانب) إلى بلد مؤثر في المنطقة بل وبلد تفرغت قيادته للنظر خارجياً بعد أن تم اصلاح الداخل. تركيا ومنذ العام 2002م وبعد أن تولى حزب العدالة والتنمية قيادة البلاد التفتت إلى الداخل، حتى اهتمامها بموضوع الانضمام للاتحاد الأوروبي لم يعد كما كان، واستطاعت أن تحقق قفزات تنموية واقتصادية لفتت نظر العالم بمؤشرات انعكست على أرض الواقع ولم توجد فقط في اصدارات المؤسسات الدولية، كان نتيجة تلك الاصلاحات أن زاد دخل المواطن وارتفعت كفاءته وانتاجيته، وانخفضت البطالة وزاد ناتج البلد واستثماراته وصادراته، بمعنى أن البلد الذي كان مهموماً بمشاكله التنموية الداخلية تجاوزها ليحيل ضعفها إلى قوة، وينتقل بعد ذلك وبعد أن أصلح بيته من الداخل إلى محيطه الخارجي ليكون مؤثراً فيه، بما يتاح له من امكانات وقدرات. إن تركيا دولة استطاعت أن تشخص مشاكلها الداخلية بكل وضوح وحيادية، حتى دور الجيش وهو مؤسسة شبه مقدسة في الإرث السياسي الحديث لتركيا طالته يد المراجعة والتغيير، وكانت تركيا تسعى لأن تكون هي العمق الاستراتيجي في المنطقة، كما كان ومازال ينادي بذلك وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو. وهذا العمق لن يتحقق إلا ببناء داخلي قوي تكون مؤسسات الدولة الحديثة هي أساسه، ويكون المواطن المنتج هو ركيزته من خلال منظور تنموي حديث، استطاعت جراءه تركيا أن تقفز مراتب متقدمة لتكون واحدة من أقوى الدول اقتصاداً قائماً على التنويع واستغلال القدرات والامكانات المتاحة، للتفرغ بعده للتأثير الخارجي وتكون «عمقاً استراتيجياً» كما خطط لها ساستها. إن كل هذا يدعونا إلى أهمية التحليل المتعمق للحالة التركية، وغيرها من الحالات التي أثبتت نجاحاً تنموياً وسياسياً لافتاً للنظر، من أجل الاستفادة منها بعيداً عن الارتماء المطلق أو العداء المطلق الذي ينادي به البعض.