بني كتاب «دون كيخوته» للأسباني «ثربانتس» على مبدأ التهكم، وصاغ فلسفة للسخرية حينما بالغ في نقض البديهيات، واحتفى بالمحالات. فكلما زاد المؤلف في وصف جنون دون كيخوته، وافرط في كشف أوهامه المستعارة من كتب الفروسية، فإنما ليضع بين يدي القراء كتاباً رصيناً تتوفر في كاتبه شروط العقل، فبنفي الاتزان عن الفارس النبيل تكرّست سمة التعقل عند المؤلف، وبرصف مساوئ الكتاب في الاستهلال تحققت عند القراء رغبة في تقديره. قدم المؤلف هجاء صريحاً لتقاليد الكتابة الشائعة من خلال المبالغة في إطرائها، فاضمر المدح في طياته قدحاً لا يخفى على أحد. تلوح مظاهر التهكم في وصف «ثربانتس» لكتابه عندما قارنه بكتب معاصريه، فما ان انتهى من تأليفه حتى جلس ينتظر الالهام ليدبج مقدمة له قبل نشره، فراوغه الالهام وداوره متمنعاً، وأبى ان يستجيب له، فكان ان خاطب القارئ معترفاً بأنه انتهى من تأليف الكتاب، ولكن «اشق ما صادفته هو كتابة المقدمة». فقد استعصت عليه، وانكفأ على نفسه حائراً يفكر بالذي سوف يذكره في الاستهلال الذي لابد منه في مطلع كل كتاب. لقد أصيب بالعي، ولحقه العجز، وخارت قواه، فلم يعد قادراً على قول أي شيء ذي قيمة يصدر به كتابه. وكان أمله ان يخرج بكتاب يكون «أجمل وأروع وأظرف ما يمكن تخيله» لكنه لم يقو على مخالفة نظام الطبيعة الذي «يقضي بأن يلد الشيء شبهه» فماذا عسى «ان تلد قريحة عقيم فاسدة التهذيب مثل قريحيتي، اللهم إلاّ تاريخ ولد جاف هزيل شاذ مليء بالأفكار المتفاوتة لم يتخيل مثله أحد من قبل؟». وما دامت قريحة المؤلف فاسدة فلا ينتظر منها ان تأتي إلاّ بكتاب يناظرها في الاضطراب والخلل. ثم ناشد القارئ ألا يغفر له الأخطاء وألا يتغاضى عن السقطات، فهو وإن بدا أنه الأب الحقيقي لكتاب «دون كيخوته» لكنه في الواقع لم يكن «غير أب زنيم». أب دعي غير مؤهل للانتظام في قائمة المؤلفين المعترف بهم. بدأ المؤلف يثير نقمة القراء ضده وضد الكتاب الذي ألفه. وفيما هو يائس، منقطع الرجاء، وقد قرر العدول عن نشر «الأعمال المجيدة» التي قام بها ذلك الفارس النبيل» زاره صديق «ذكي لطيف» وأخبره ألا يفرط في أهمية القراء، ويسرف في تقديرهم، فتلك مبالغة لا معنى لها، واحتفاء هم غير جديرين، به، فكان ان أجابه عن حاله أمامهم «بعد أعوام طوال رقدت خلالها في صمت النسيان، وقد جئت اليوم حاملاً أعوامي على عاتقي، ومعي أسطورة جافة جفاف عود الغاب، فقيرة من الإبداع، هزيلة الأسلوب عارية من الأفكار، يعوزها التحصيل العلمي والمذهب خالية من الحواشي على الهامش ومن الشروح في الآخر». أجمل بهذه الشكوى عيوب كتابه حينما قارنه بالكتب الرائجة في عصره وجلها كان يوشى بكلمات ارسطو وافلاطون على نحو جعلها مصدر اعجاب القراء، إذ جاءت حافلة بآيات من الكتاب المقدس إلى درجة يظن ان مؤلفيها من أنداد القديس توما، ومن كل ذلك خلا كتابه، فلا وجود لما يحشى به من هوامش أو ما يشرح في الآخر، هو لم يقتبس عن مؤلفين مشهورين ليورد ثبتا بأسمائهم في مطلع الكتاب، كما يفعل غيره، إلى ذلك ينقص كتابه «الاستهلال بالأناشيد» المنسوبة إلى المشاهير. ولكل هذه العيوب التي لا يمكن التغاضي عنها عقد العزم على إبقاء «السيد دون كيخوته مقبوراً في أضابير محفوظات إقليم المانتشا، حتى تأذن السماء فترسل من يزينه بكل هذه الأشياء التي تنقصه». حشد المؤلف سلسلة كاملة من الذرائع لا تفسر عجزه عن كتابة المقدمة، فحسب، إنما تؤكد رغبته في طمر الكتاب، واخفاء الأعمال الجليلة التي قام بها الفارس الشجاع لأنه لم يحز على الشروط المناسبة التي تجعله كتاباً ذائع الصيت. إنه خديج مشوه، لم تكتمل مزاياه الأساسية، فلا ينبغي طرحه بين يدي القراء وحينما أصغى الصديق الذكي إلى كل ذلك استغرب، وضرب كفاً بكف، فقد توهم بأن صديقه «ثربانتس» صاحب حكمة، ودراية فإذا به يراه بعيداً عن ان يكون كذلك «بعد الأرض عن السماء» فأنى لتلك الأسباب الواهنة ان تعوق عقلاً ناضجاً مثل عقله، فليس ذلك القرار سببه قلة المهارة بل الافراط في الكسل. ولم يلبث ان وضع بين يدي صديقه جملة من حلول ناجعة لو أخذ بها فسوف تجعله يعدل عن قراره في عدم «إذاعة تاريخ رجلك الشهير دون كيخوته، نور الفروسية الجوالة كلها ومرآتها». وشرع الصديق يفند الأسباب التي توهمها المؤلف، وهو يقترح البدائل التي ستجعل كتابه مثار اهتمام الجميع؛ ففيما يخص غياب الأناشيد والأهاجي والمدائح عن استهلال الكتاب، فعليه ان ينظمها بنفسه وينسبها إلى ما يشاء من أسماء ولو فضح الأمر فيما بعد وبان الكذب فلن تقطع اليد التي كتبت ذلك. وينبغي عليه للاحتيال على افتقار الكتاب لأسماء المؤلفين القدامى وأقوالهم ان يتصرف في وضع عبارات مأثورة باللغة اللاتينية ونسبتها للمشاهير أو اقتباسها من الكتاب المقدس، فلا أحد يمكن له كشف ذلك التزييف ويحتمل ان تؤخذ مأخذاً حسناً من القراء المهووسين بمثل تلك الأقوال والأسماء. وتحل مشكلة الشروحات التوضيحية في نهاية الكتاب بادراج أسماء الشخصيات الشهيرة والأماكن المعروفة في المتن، وعليه في هذه الحال اقتباس ما شاء له من معلومات عنهم من الكتب الشائعة وحشو كتابه بها، وسيجد ما يفي بحاجته وزيادة إذا ما تطرق إلى اللصوص والنساء والفرسان، فالمراجع المتوفرة عن كل ذلك لا تحصى. أما النقل عن المؤلفين القدامى المشهورين وهو «مما يرد في سائر الكتب، وينقص كتابك «فعلاجه الاستعانة بكشكول جامع لكافة الأقوال المأثورة والاقتراض منه، بل ويمكن ادراج كل ما يحتويه ذلك الكشكول في كتابه، وحتى لو فضح هذا السلخ المشين، فلا ينبغي على المؤلف ان يكترث له، إنما عليه ان يزقّ كتابه بمزيد من تلك الأقوال حتى لو كانت غير مفيدة، فذلك «يضفي على الكتاب شيئاً من المهابة والتأثير» فلا أحد يحفل بالتحقق مما يسوقه المؤلف في تضاعيف كتابه. هذه وصفة جاهزة للنجاح وضعها الصديق بين يدي المؤلف عساه ان يرصع كتابه بها، ولكن ينبغي عليه ان يعرف بأن طبيعة هذا الكتاب لا حاجة لها بكل تلك الزوائد والزخارف، لأنه «هجاء لكتب الفروسية، وهي كتب لم يسمع بها ارسطوطاليس، ولم يكن عند شيشرون أدنى فكرة عنها، ولم يتناولها القديس باسيليوس بكلمة واحدة». وانتهى الصديق إلى مخاطبة المؤلف «ما دام القصد من كتابك ليس الا كبح بل تحطيم ما لكتب الفروسية من تأثير وسلطان في عند عامة الناس فهل أنت في حاجة إلى استجداء أقوال الفلاسفة ومواعظ الكتب المقدسة وأخيلة الشعراء وخطب الخطباء وكرامات الأولياء؟» وإذ كان صمت المؤلف يضمر جواب الموافقة على الغرض من تأليف كتابه، فعليه ان يأخذ بنصيحة الصديق «اجتهد ان تكون ألفاظك بسيطة صافية أمينة حسنة السبك، وان تكون فواصلك رنانة وحكايتك مسلية موشاة وان تكون معانيك مفهومة لا غامضة ولا مضطربة». أصغى المؤلف إلى صديقه، فانطبعت كلماته في نفسه على نحو جعله لا يماري فيها بل يراها «سديدة تستوجب الثناء» حتى جعله يؤلف منها استهلال الكتاب، فبأخذه في الحسبان تلك النصائح سوف يجد القارئ» قصة دون كيخوته دلامانتشا الشهير بكل بساطتها وبغير خلط ولا التواء. وان جميع سكان اقليم سهل مونتيل ليعتقدون انه كان أعف عاشق وأشجع فارس شوهد في هذه المنطقة طوال عدة سنوات».