كان من المفترض أن أشارك هاتفياً في حلقة السبت الماضي من برنامج "قانون المجتمع" الذي يبث على قناة الاقتصادية ويقدمه الزميل رياض الودعان لكن ظروفاً حالت دون هذه المشاركة وقد حمدت الله على ذلك.. ليس لعيب في البرنامج ولا في مقدمه المتميز، بل لأن القضية المطروحة "إشكالية" ولا يتم تناولها في أي برنامج حواري إلا وهي محاطة بضجيج الاتهامات التي تزيد الجو شحناً وبغضاً وتشويشاً إلى أن تضيع الفكرة الأصلية للنقاش، الأمر الذي يقلل من جدوى الظهور في برامج من هذا النوع. القضية المطروحة هي "السينما في السعودية" والضيفان هما الدكتور عثمان البريكان والكاتب المعروف عبدالله بن بخيت وهما يمثلان طرفي النقيض في رؤيتهما للقضية، الأول يرفض السينما جملة وتفصيلاً، والثاني يؤيدها تأييداً مطلقاً. الدكتور عثمان يرفض السينما لأنه يؤمن بأنها "دعارة" -هكذا قالها- ولا يثق بالأصوات التي تنادي بفتح صالات السينما في السعودية لأن دعاة السينما سيتمسحون بالضوابط في البداية لكنهم سينقلبون حتماً في المستقبل وسيحولون هذه الصالات إلى منافذ للفساد كما هي الحال في الدول الغربية. ولا أدري من أين جاء الدكتور بهذا اليقين عن فساد السينما ودعاتها وهو الذي لم ير أمامه تجربة سينمائية سعودية كاملة حتى يستطيع الحكم عليها؟. حديث الدكتور عثمان يلخص الأزمة التي نعيشها ليس مع موضوع السينما فحسب بل مع كثير من القضايا المحدثة، حيث يقدم سوء الظن، ويحكم على النوايا مسبقاً، وتستخدم الكليشيهات المعروفة عن فساد الغرب وهدم القيم الخ الخ، وقد حصل هذا من قبل مع الراديو ثم مع التلفزيون ومع "الدش" ومع الإنترنت والتي قيل إنها مفسدة بالضرورة ثم رأيناها وهي تتغلغل في صميم المجتمع من دون أن تؤثر على قيم أفراده. والسينما تواجه الآن نفس مبررات الرفض القديمة والتي تتجاوز أحياناً حدود المنطق خاصة حين توصم كلها "بالدعارة" وكأنها قد أنتجت خصيصاً من أجل الترويج للجنس، وفي هذا امتهان لعقل الجمهور السعودي الذي بات يعرف أن السينما ما هي إلا قالب تحوي الجيد النقي كما تحوي السيئ، والسينما الإيرانية دليل يدحض كل من يحكم بالفساد على مجمل السينما. هل يعلم الدكتور أن الغرب لديه ضوابط صارمة تمنع دخول الصغار لصالات السينما التي تعرض أفلاماً لا تناسبهم كأفلام الرعب والرومانس وغيرها؟. وهل يعلم أن أكثر الأفلام رواجاً في أمريكا هي الأفلام العائلية الخالية من التجاوزات؟. وهل يعلم أن المنتجين يضطرون إلى حذف كثير من المشاهد كي تصنف أفلامهم في الإطار "العائلي" رغبة في كسب الجمهور الأمريكي الذي يفضل هذه النوعية؟. هذا ما يحصل في أمريكا.. فإذا كان الدكتور عثمان يعلم بذلك فهذه مصيبة وإن كان لا يعلم فالمصيبة أعظم؛ إذ كيف يحكم على شيء لا يعرفه؟!. وكان مما قاله الدكتور أن على الذين يدعون للسينما أن يوجهوا أنفسهم لقضايا اجتماعية أهم مثل مكافحة التدخين والمخدرات وما إلى ذلك. وهذه حجة غريبة يواجه بها كل من عبر عن اهتمامه بالسينما وبأي نشاط ترفيهي.. أترك الفن وتوجه إلى ما يفيد الناس!. وللرد على هذه الحجة أقول إن المجتمعات الحية لا تقوم إلا على أساس التنوع في الاهتمامات، والمجتمع الذي يترك أفراده كل شيء ويوجهون اهتمامهم إلى شيء واحد فقط هو مجتمع أعرج يعيش ظرفاً غير طبيعي وهذا لا يحصل في الواقع إلا في حالة الحرب أو عند مواجهة وباء يكتسح البلاد، أما في الظروف الطبيعية التي تستدعي البناء والنمو فالوضع الصحي السليم هو التعدد في الاهتمامات والرؤى، وكل فرد في هذا المجتمع الصحي يتصدى لمشاكل معينة يحددها تخصصه ومجال اهتمامه، فهذا يتابع قضية المخدرات، وذاك مشغول بغلاء الأسعار، وآخر يهتم بأزمة الأسهم، ورابع يتبنى قضية الفن والسينما.. وهذه حالة يعيشها مجتمعنا فعلاً وهي حالة صحية لا نريد لها أن تتغير بهذه الحجة الغريبة التي يراد بها تعطيل الحياة وتوجيه الناس جميعاً لمناقشة مشكلة واحدة وإهمال كل ما عداها. بقي أن نقول إن السينما يجب أن لا ينظر لها من زاوية الصراع الدائر بين التيارات الفكرية لأن هذا الصراع سيضخم أهمية السينما ويجعلها بعبعاً هائلاً في يده عصا سحرية ستغير الواقع وتقلبه رأساً على عقب إما سلباً أو إيجاباً. إن ما نتمناه هو أن ينظر للسينما باعتبارها مجرد نوع من الفنون لها متذوقون لا ينتظرون منها حلاً لمشاكل الكون بل حسبهم منها أن توفر لهم ما يُطرب نفوسهم وما يبهج أذواقهم، إنها لا تختلف عن الشعر الذي يتذوقه كثير من السعوديين باختلاف توجهاتهم الفكرية، ألسنا نطرب لشعر المتنبي الذي لقّبه الشيخ عائض القرني بإمبراطور الشعراء؟ ألا نطرب للجرس والنغم في قصائد إيليا أبو ماضي وأحمد شوقي وعمر أبو ريشة؟. إن السينما تحوي الكثير من ذلك ففيها نصاعة الفكرة، وعبقرية التعبير، وفيها الإيقاع، والجرس الموسيقي، وجمال الشكل، وهذه مفاهيم فنية خالصة يحرص عليها متذوقو السينما ويطربون لها ويبحثون عنها في الفيلم مثلما يبحث عنها متذوق الشعر في القصيدة، ولو أردنا أن نذكر أمثلة لأفلام عظيمة تجلت فيها مقدرة الفنان الخلاّق لاحتجنا إلى مساحة أكبر، وهي أمثلة لو شاهدها الرافضون لأطرقوا خجلاً ولاعتذروا عن هذا الضجيج الذي أثاروه بلا معنى. إن السينما شعر يهذب الروح ويرهف الحس وينمي الذوق وهي بريئة من الاتهامات التي تطلق عليها من أناس لم يعرفوها حق المعرفة فظلموها وظلموا كل من طرب لها.