لبنان بلد العجب والأعجوبة.. النعومة والخشونة.. تعددية الثقافة، وتعددية التحزب الفئوي.. صوت فيروز، ولعلعة رصاص الشارع.. ألست في نصف ساعة من داخل بيروت الساخنة جداً.. والراشحة من عرق الرطوبة تصعد عبر زمن نصف الساعة الوجيز إلى مواقع البرودة والاخضرار؟.. أليس الخارج منه هو لبناني، مطلوب الموهبة والقدرة والذكاء، يختلف كثيراً عن اللبناني داخله، ممن هو مرهون بولاء كأنه أبرم بواسطة عقد محكمة في الطاعة لهذا وذاك.. مساء أمس، نظر العرب الفرحون جداً بسلام بيروت المشكوك باستمراريته وهم يرون حشداً هائلاً من اللبنانيين يحملون أعلام لبنان بديلاً لأعلام الطوائف.. يرقصون ويغنون، وكأنه لم تطلق في تلك الشوارع رصاصة واحدة، أو يموت دامع خلف جنازة.. كان هو الأكثر تبكيراً بين جميع الدول العربية في إنعاش الفنون والثقافة داخله، وذهب منه إلى عواصم عربية من طوروا فنونها وثقافاتها. وعرف عنهم الولاء المطلق للديموقراطية، التي هي في الواقع موجودة داخل أعمدة الصحف، أما على ممارسات الواقع، فشؤون المجتمع وسياسات الدولة مقسمة بما ينافي الديموقراطية، التي يفترض انها تقدم الموهبة والكفاءة على الانتماء الطائفي. فمثلاً لماذا لا يكون رئيس الجمهورية شيعياً؟.. أو أن يكون رئيس البرلمان سنياً؟.. أو رئيس الوزراء مسيحياً مارونياً؟.. بل لماذا لا يتواجد اثنان من مذهبية واحدة في موقعين قياديين متى كانا الأكفأ.. لا.. هذا لا يحدث، فنصيب الانتماء الطائفي قبل نصيب الكفاءة والقدرة.. تعال إلى جانب آخر مدهش ومغاير لما يحدث في الدول العربية.. الضابط العسكري الذي يرأس فريق انقلاب، هو حالة تسلط تلغي القوانين والدساتير، وتفتري بالملكيات الخاصة، وتصفي خصومها كيفما اتفق.. في لبنان غالباً الوضع مختلف، فصاحب الرتبة العسكرية العليا يستدعى دائماً إلى الحكم؛ لإنهاء الصراع الدموي بين القوى الوطنية الحزبية، أو الطائفية حين يصل صراعها إلى مرحلة القتل الجماعي، وتدمير الجسور، وتهديم المباني.. يأتي الضابط العسكري في لبنان كحاكم منقذ، وعكس ذلك ما يفعله هذا الضابط وزملاؤه "الأحرار" في الدول الأخرى، حتى أن صدام حسين فضل أن يلبس البدلة العسكرية في المناسبات؛ تعشقاً لما فعله غيره من جبروت في دول عربية عديدة.. أتى فؤاد شهاب بعد رئاسة كميل شمعون الدموية النهاية، فأصلح أوضاع لبنان، وأعاد استقامة علاقاته، والآن يأتي ميشيل سليمان ولبنان على أبواب الهاوية، ويتمنى الجميع خارج لبنان - أكثر مما هي الأماني داخله - أن يوفق بما هي عليه كفاءته، من قدرة في نزع كل وسائل الدمار، وفتح الأبواب، أمام كل وسائل الاستثمار، والسياحة، والثقافة، والفنون..