في مقال سابق بعنوان "عصر النهضة السعودي" (جريدة الرياض 20 أغسطس 2018م)، أكدت على أن التحولات التي تشهدها المملكة اليوم ليست مجرد طفرة مادية (اقتصادية أو عمرانية)، بل تمثل مشروعاً حضارياً متكاملاً يستدعي إعادة قراءة الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها. في ذلك المقال، تمت مقارنة ما تعيشه المملكة اليوم -في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين حفظهما الله- بعصر النهضة الأوروبية الذي انتقلت بموجبه أوروبا من عصورها المظلمة إلى عصور التقدم. حيث لم يكن هذا الانتقال نتاج الاكتشافات العلمية فحسب، بل كان نتاجاً مباشراً لإحياء العلوم الإنسانية والاهتمام بها: من تاريخ، وفلسفة، وأدب، ولغات، وما صاحب هذه العملية من إعادة تعريف للإنسان ودوره على مستوى مجتمعه أولاً، ثم على المستوى العالمي. تؤكد لنا التجربة الأوروبية وبوضوح أن العلوم الإنسانية لم تكن هامشاً معرفياً -ويجب ألا تكون كذلك- بل كانت المحرك العميق للوعي، والرافعة التي أسست لنهضة علمية لاحقة في مجالات الطبيعة والتقنية. واليوم، ونحن نعيش لحظة تاريخية في المملكة، تتقاطع فيها مشاريع التنمية الكبرى مع إعادة بناء الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء وإعادة تعريف الإنسان، تبرز الحاجة الملحَّة إلى إعادة النظر في العلوم الإنسانية، ليس بوصفها تخصصات أكاديمية فقط مرهونة بسوق العمل وتقلباته، بل باعتبارها منظومة فكرية تؤسس للوعي الجمعي وتحصِّن المجتمع. لقد شهدت الجامعات الحديثة لا سيما في العالم العربي نوعاً من الفصل أو التباعد بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، إلا أن الاتجاهات العالمية في التعليم العالي تؤكد على التكامل بين الحقول المعرفية جميعها، وهو ما يفسر لنا وجود التخصصات الإنسانية في أعرق الجامعات العالمية. فالعلوم الطبيعية وإن كانت تفسّر العالم، إلا أنها لا تستطيع القيام بدور العلوم الإنسانية الأهم في منح هذا التفسير معناه وقيمته. ومن دون هذا التكامل، يتحول التقدم العلمي إلى أداة بلا بوصلة، وقد يفتقد البعد الأخلاقي والإنساني الذي يوجهه. لكل هذا، ولعصر النهضة السعودي الذي نعيشه، ولمركزية هذه الدولة المباركة الثقافية والفكرية تبرز فكرة إنشاء جامعة متخصصة في العلوم الإنسانية في المملكة، وهي الدولة التي تستحق وبدون منازع أن تكون حاضنة لهذا المشروع النهضوي كونها حاضنة للنهضة العربية المعاصرة. والبنية التحتية لهذه الجامعة موجودة وتتمثل في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الملك سعود. إن هذه الجامعة ستشكل منصة عالمية لدراسة الهوية، والتراث، والتاريخ، والفكر، واللغة، في سياق معاصر يستوعب التحولات الرقمية والعولمة الثقافية، وسيعزز هذا المشروع الهوية الوطنية عبر بناء معرفة علمية رصينة بتاريخ المملكة وتراثها، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية بطريقة واعية ومؤسساتية. كما سيسهم في تحصين المجتمع فكرياً من خلال إنتاج خطاب معرفي قادر على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة، سواء تلك المرتبطة بالتطرف أو الذوبان الثقافي.. كما سيعمل على ترسيخ قيم المواطنة في إطار معرفي يعزز الفهم العميق للدولة وتاريخها. كما أن إنشاء مثل هذه الجامعة سيسهم في تطوير البحث العلمي في مجالات غالباً ما تكون أقل دعماً مقارنة بالعلوم التطبيقية، رغم أهميتها الاستراتيجية. وستكون هذه المؤسسة قادرة على استقطاب الباحثين على مستوى العالم، ما سيعزز مكانة المملكة كمركز فكري وثقافي على المستوى العالمي.. ومن نافلة القول إن الجامعة يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في دعم صناع القرار من خلال تقديم دراسات معمقة في مجالات الهوية، والذاكرة الوطنية، والسياسات الثقافية، وهو ما تحتاجه الدول الحديثة في صياغة رؤاها الاستراتيجية. كما يمكن أن تسهم في تأهيل كوادر متخصصة تعمل في مجالات الثقافة، والإعلام، والتعليم، والسياحة، وهي قطاعات تتنامى أهميتها ضمن رؤية المملكة 2030.