دخلت قاعة العرض وأنا أحمل في ذهني قدرًا غير قليل من ذلك الجدل الذي سبق فيلم "Desert Warrior" محاربة الصحراء في وسائل التواصل الاجتماعي؛ تعليقات متتابعة تناولت أحداثه، وملاحظات طالت علاقته بمعركة ذي قار، وأسئلة كثيرة حول الأسماء والشخصيات والبناء التاريخي الذي اختاره الفيلم منذ الإعلان عنه، وكانت تلك الآراء حاضرة في الذهن قبل انطفاء الأضواء، إلى الحد الذي جعل المشاهدة الأولى أقرب إلى اختبار لما إذا كانت الصورة ستؤكد ما قيل، أم ستقود إلى قراءة مختلفة، ومع تقدم الأحداث، أخذ الفيلم يفتح مسارًا آخر في التلقي؛ فبعيدًا عن الضجيج السابق، ظهرت تجربة تحمل عناصر تستحق المتابعة، سواء على مستوى الإخراج، أو البناء البصري، أو طريقة استثمار البيئة الصحراوية في صناعة مشاهد واسعة الإيقاع. منذ المشهد الأول في فيلم Desert Warrior "محاربة الصحراء" تبدو الصحراء وكأنها تدخل إلى الحكاية بوصفها طرفًا أصيلًا فيها؛ امتداد الرمل، واتساع الأفق، وحركة الشخصيات فوق الأرض الجافة، كلها تمنح المشاهد إحساسًا بأن المكان يشارك في صياغة القرار، وفي رسم ملامح المواجهة قبل أن تبدأ المعركة، ولهذا جاء استحضار معركة ذي قار داخل الفيلم متصلًا بمعنى راسخ في الوجدان العربي، حيث ترتبط الكرامة بالموقف، وتصبح المرؤة والشجاعة معيارًا يُقاس به حضور الإنسان ساعة الشدة، فيما تتحول الأرض التي يعرفها أهلها إلى عنصر من عناصر التفوق حين تضيق الخيارات. في قلب هذا البناء الدرامي حضرت شخصية هند بنت النعمان بوصفها محورًا جامعًا لمسار الأحداث، إذ قدمتها عائشة هارت بشخصية تحمل حضورًا هادئًا وقدرة على التأثير في مجرى القبائل العربية وهي تتجه نحو لحظة المواجهة مع الساسانيين بقيادة كسرى، الذي أداه الممثل القدير بين كينغسلي بثقل واضح في الأداء، إلى جانب ذلك، تحرك أنتوني ماكي داخل الفيلم في مساحة تجمع بين البعد العسكري ومعرفة البيئة الصحراوية، حيث جاءت الحركة فوق الأرض مرتبطة بوعي المكان أكثر من الاعتماد على المواجهة المباشرة، هذا التكوين منح الشخصيات الرئيسة بعدًا قريبًا من روح المعركة التي تحتفظ في الذاكرة العربية بمعنى استعادة الاعتبار وحفظ المكانة. وقد انعكس أسلوب المخرج روبرت ويات بوضوح في طريقة بناء الفيلم، فالإيقاع يتدرج عبر مشاهد تمنح الشخصيات وقتًا للتشكل قبل الوصول إلى لحظات الاشتباك، وهو الأسلوب الذي ظهر في أعماله السابقة مثل Rise of the Planet of the Apes، حيث يميل إلى منح الصراع الإنساني مساحة تسبق الانفجار البصري، وفي "محاربة الصحراء" ظهر هذا التوجه من خلال الانتقال بين مشاهد القبائل والتحالفات، ثم الانتقال إلى المعركة ضمن بناء متدرج حافظ على حضور الصورة بوصفها عنصرًا أساسيًا في السرد، كما جاءت المؤثرات الصوتية والموسيقى التصويرية منسجمة مع هذا المسار، خصوصًا في المشاهد المفتوحة التي اعتمدت على اتساع الصحراء وحركة الخيل والغبار. أما على مستوى الإنتاج، فإن الفيلم يمثل خطوة مهمة ضمن حضور MBC Studios بالتعاون مع AGC Studios وJB Pictures، بميزانية قاربت 140 مليون دولار، مع تصوير المشاهد الرئيسة في مدينتي تبوك ونيوم، وهو ما يعكس تطور البيئة الإنتاجية في المملكة وقدرتها على استقبال أعمال ذات طابع عالمي ضمن بنية متكاملة تشمل المكان والتقنيات والكوادر الفنية، وقد منح التنوع الجغرافي في شمال غرب المملكة الفيلم بعدًا بصريًا مناسبًا لطبيعة الحكاية، خصوصًا في مشاهد الحركة الممتدة فوق التضاريس المفتوحة. وفي جانب التلقي النقدي، اتجهت بعض الملاحظات إلى البناء الدرامي لبعض الشخصيات الثانوية، وإلى طبيعة المزج بين أسماء عربية وعالمية داخل العمل، غير أن هذا المسار ينسجم مع طبيعة المشاريع السينمائية الكبرى التي تتشكل عبر مراحل متدرجة من الخبرة المشتركة، كما أن تناول معركة ذي قار داخل الفيلم يفتح مساحة مهمة للتفريق بين الحدث التاريخي والحدث السينمائي؛ فالمعالجة الفنية تتحرك وفق إيقاع الحبكة ومتطلبات الصورة، ولهذا تأتي بعض التفاصيل محكومة بمنطق الدراما أكثر من ارتباطها بالتسلسل التاريخي الكامل، ومن هنا تبدو التجربة جزءًا من مسار أوسع لصناعة أعمال تاريخية ذات حضور عالمي، تستثمر المادة التاريخية ضمن رؤية فنية تراعي جمهورًا متنوعًا. وفي محصلة الفيلم، تبقى الصحراء العنصر الأكثر حضورًا؛ فهي الإطار الذي احتضن الحكاية، والفضاء الذي حمل معنى الكرامة العربية حين تتحول الأرض إلى شريك في القرار، وحين تستعيد الرمال دورها في توجيه المواجهة، لتخرج الحكاية في صورة تجمع التاريخ والدراما والصورة المعاصرة لصناعة سينمائية تتقدم بثبات، والمشاهد موعود مع ساعتين من الإثارة والتشويق في فيلم يعد نقطة انطلاق مع نوع مختلف من الإنتاج السينمائي المحلي الذي اعتدنا مشاهدته في السنوات القليلة الماضية. وفي ختام هذه التجربة، تبدو الحاجة قائمة إلى أن يُعاد النظر في كثير من الأحكام التي سبقت عرض الفيلم؛ إذ إن جانبًا واسعًا من التقييمات التي تداولها الجمهور جاء متأثرًا بما انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي قبل المشاهدة الفعلية، حيث انتقلت الملاحظات والانتقادات بسرعة، وتكوّنت على أساسها صورة مسبقة دفعت بعض المتلقين إلى إصدار تقييم منخفض قبل الدخول إلى قاعة العرض، غير أن التجربة السينمائية، بطبيعتها، تحتاج إلى أن تُقرأ من داخل الشاشة لا من خارجها، وأن يُمنح العمل فرصته الكاملة بوصفه مشروعًا يُقاس بما يقدمه بصريًا ودراميًا داخل زمنه الفني، ومن هذه الزاوية، فإن "محاربة الصحراء" يستحق أن يُشاهد بوصفه خطوة ضمن مسار أوسع يتشكل تدريجيًا، ومساحة إنتاجية جديدة تدخل من خلالها المملكة إلى مستوى مختلف من الصناعة السينمائية العالمية، حيث تتقاطع الخبرات، وتتسع التجارب، وتُبنى الأعمال الكبرى عبر تراكم المحاولات وتطويرها، وهو ما يجعل منح هذه البداية ما تستحقه من إنصاف جزءًا من دعم مسار سينمائي يتطلع إلى حضور أكثر رسوخًا في السنوات المقبلة. عبدالرحمن الأنصاري