تعد هذه السطور المقتبسة من يوميات «فيوليت ديكسون» فصلاً جوهرياً ضمن مذكراتها الشهيرة في كتابها «أربعون عاماً في الكويت»، وهو الكتاب الذي رغم قيمته التاريخية يُؤخذ على مترجمه ومراجعه تكرار الأخطاء في مسميات القرى والهجر والكثير من الأماكن الواردة فيه، فأفسدت المتعة بالكتاب، حيث لم يكلف نفسه بتحقيق وتصحيح أسماء الكثير من المواقع جغرافياً وتاريخياً، وبما يليق بابن البيئة الذي يفترض أن يكون ملماً بكل تفاصيلها. ومع ذلك تبقى شهادة «أم سعود» وثيقة لا غنى عنها في استنطاق صمت الصحراء. بين كثبان المنطقة الشرقية بين الجبيل والنعيرية، حيث تلتقي قسوة الصحراء بعراقة التاريخ، تمضي «فيوليت ديكسون» في رحلة استكشافية مثيرة إلى «ثاج»، منقبةً في ذاكرة الأرض عن كنوز طينية ونقوش «لحيانية» أعادت رسم خارطة الحضارة في قلب الجزيرة العربية. لم تكن رحلتها تلك في عام 1961 مجرد نزهة عابرة مع أصدقائها الأميركيين العاملين في الظهران والمهتمين جداً بالمواقع وجمع الأواني الخزفية من الخرائب القديمة، بل كانت عودة عاطفية وتاريخية لمكان زارته لأول مرة مع زوجها المفوض السياسي بالخليج «ديكسون» في أربعينات القرن الماضي. جاء الفريق ل»ثاج» و»الهنات» والتي أعيد بناؤها كمستوطنات ل»إخوان من طاع الله» لقبيلة العوازم مؤخرًا. ثاج الجديدة لم تكن مجرد قرية صحراوية عادية بل كانت تقوم فوق أطلال مدينة أثرية هائلة، استعار سكانها الجدد حجارتها القديمة وأنقاضها ليبنوا جدران بيوتهم الجديدة دون أن يدركوا تماماً أنهم يرفعون حجر بنائهم فوق مهد حضارة سادت ثم بادت. كنوز «الطفلة المجهولة» تضع ثاج على خارطة الحضارة العالمية تصف فيوليت الملقبة ب»أم سعود» الطريق بروح المستكشف الشاعري، فمن «القطيف» عبر طريق «التابلاين» الصحراوي تمتد الرحلة لستين كيلومتراً وسط بيئة تضج بالحياة رغم جفافها. هناك عند آبار «الهنات»، كانت قطعان الإبل والأغنام تحفها أغاني الرعاة وهي ترتوي، بينما تزين الأرض أزهار اللبلاب والمنثور البري، تلك الزهور التي تملك خاصية سحرية، إذ تغلق بتلاتها خجلاً من حرارة الشمس الحارقة، لتعود وتتفتح في سكون الليل موزعةً عطرها الفواح في الفضاء الرحب. وحين وصلت إلى التل الصغير الذي شهد مبيتها الأول برفقة زوجها ديكسون قبل عقود، استقبلها البدو بفضولهم الفطري وسؤالهم التقليدي عما تبحثون؟.. وهل تبحثون عن الذهب؟، كانت إجابتها تحمل فلسفة عالم الآثار الشغوف: لا.. ليس هناك ذهب بل مجرد قطع من أوانٍ فخارية مكسورة، هذا الرد عكس قيمة الآثار في عين أم سعود، فهي لا تقيس التاريخ ببريق المعدن بل بآثار الأقدام والحضارة المطبوعة على الطين. في لحظة إنسانية لافتة تعرّف عليها أحد كبار السن فنادى في قومه: ألا تعرفون من هذه إنها أم سعود التي تعسكر مع العوازم في الكويت، يحبونها وتحبهم. هذا الاعتراف لم يفتح لها أبواب المنازل فحسب بل فتح لها أبواب الأسرار. روى لها الرجل العجوز أساطير المعارك القديمة التي صبغت بحيرة «ثاج» الجافة بالدماء، وكأن الأرض ما زالت تنبض بذكرى من مروا بها. والمشهد الأكثر إثارة يتجسد حين اصطحبها شاب طموح إلى منزله ليُريها حجراً عليه كتابات. في الطريق انحنى ليلتقط من التراب «صنماً» وهو جزء من تمثال أنثوي من الطين الفخاري يبدو بنهد بارز، مؤكداً أن الأرض تعج بمثل هذه النماذج. وبدخولها إلى غرفة القهوة المبنية من حجارة الخرائب القديمة والمأخوذة من خرائب المدينة قبل أربعين عاماً. اصطدمت «أم سعود» بكنز معرفي- حجر من الرخام الأخضر الداكن يرتفع عن الأرض، ويحمل سطرين من الرموز اللحيانية الغامضة. كانت الغرفة رغم ظلامها وتكدس الهوادج القديمة فيها، تشع برائحة التاريخ الممتد لآلاف السنين. لم تكتفِ الرحلة بالمشاهدة بل أسفرت عن جمع لقى أثرية غاية في الأهمية تماثيل لجمال ومباخر مربعة، وأواني فخارية وتمثال نصفي عثر عليه لاحقاً لامرأة فقدت أحد ثدييها تشابك يداها تحت صدرها. هذه القطع حين وصلت لاحقاً إلى أيدي خبراء المتحف البريطاني أحدثت ضجة علمية، إذ أثبتت بطلائها الأخضر أنها تنتمي لفترة قديمة (القرن الأول قبل الميلاد أو بعده)، مما وضع «ثاج» على خارطة التجارة والحضارة العالمية القديمة. إن يوميات «أم سعود» ليست مجرد مذكرات شخصية بل هي وثيقة تاريخية أنقذت تفاصيل مدينة كادت الحداثة أن تبتلع حجارتها، لتظل «ثاج» شاهدة على عظمة الماضي وجسر تواصل بين البدو الرحل وأمجاد الملوك القدامى. جدير بالاهتمام أن التنقيب المنهجي بدأ في ثاج عام 1982، بواسطة كوادر وطنية، تلتها بعثات دولية مستمرة كشفت عن أكبر مدينة «تاريخية» وسور ضخم، ومن أبرز المستكشفات «كنز ثاج» الذهبي، والذي يقدر بحوالي 18 كيلوغراماً، ويعود لرفاة طفلة ذات عشر سنوات (ملكة ثاج المجهولة) عثر عليها مع مجوهراتها، إضافة إلى نقوش نادرة، ولا تزال الفرق السعودية الفرنسية تواصل أبحاثها الحديثة لاستجلاء تاريخها العريق. نماذج من مجوهرات أميرة ثاج حجر يحمل كتابات ونقوش تعود لقرون ما قبل الميلاد بعض مجوهرات ملكة ثاج الصغيرة أو المجهولة بعض جهود التنقيب في ثاج موقع ثاج