لم يكن يعلم سيباستيان أريوسا المولود في عاصمة أورغواي (مونتفيديو) في العام 1985م أنه على موعد مع فصل قاسٍ ومؤلم من فصول حياته عندما انتقل للعب كرة القدم مع نادي (أولمبيا) في البارغواي كمحترف في العام 2011م حاملاً معه حقيبته والكثير من الأحلام. لم يكد يمضي العام الأول من مسيرته مع ناديه الجديد حتّى باتت حالته الصحية بالتدهور تدريجياً بالرغم من زيارة الأطباء والأدوية إلا أنه أصبح ظاهراً أنه ما من شيء يستطيع إيقاف زحف المرض في جسده، وفي مايو 2013 تم تشخيص إصابة أريوسا بورمٍ سرطاني في الصدر..! تقرّر أن يخضع أريوسا لعلاج كيميائي صارم بجدول زمني طويل ولم يكن له خيار آخر، خضع أريوسا لعلاج كيميائي قاسي في نفس العام وشاءت الأقدار أن لا يكون المرض وقسوة العلاج هما آخر آلامه ومصاعب حياته، حيث قام نادي أولمبيا بتعليق عقده وإيقاف دفع رواتبه نهاية العام 2013م في الفترة التي كان يخضع خلالها للعلاج الكيميائي بحجّة عدم حضوره تدريبات الفريق..! وجد اللاعب نفسه يقاسي المرض دون دخل مادي ودون غطاء تأميني طبي أو اجتماعي خصوصاً بعد فشل النادي في ضمه لمزايا الضمان الاجتماعي.! في يناير من العام 2014م أخطر سيباستيان أريوسا فريقه برغبته في الانسحاب من العقد نظراً للانتهاك الجسيم لالتزامات النادي تجاهه. تقدّم اللاعب لغرفة فض المنازعات في الفيفا Dispute Resolution Chamber وهي اللجنة القضائية المختصة بنظر النزاعات الرياضية المتعلقة بكرة القدم والتي بدورها أصدرت قراراً لصالحه يلزم نادي أوليمبيا بدفع المبالغ المتأخرة والمتمثلة في أجور اللاعب الشهرية والتعويضات الأساسية المحددة في العقد واستند القرار إلى اعتبار ما قام به النادي يعد انتهاكاً للعقد يستلزم معه التعويض في حدود ما جاءت به نصوصه وجاء القرار بالزام النادي أن يدفع للاعب مبلغاً وقدره (490.000) دولار يمثّل الأجور المتأخرة والتعويض الأساسي عن فسخ العقد. في العام 2015م تقدّم اللاعب باستئناف قرار لجنة فض المنازعات أمام محكمة التحكيم الرياضية CAS والتي أعادت نظر القضية وألزمت النادي بدفع تعويضات إضافية تتمثل في التعويض عن الضرر المعنوي Moral damage الذي تسبب به النادي للاعب نتيجة إيقاف رواتبه وتعليق عقده أثناء خضوعه للعلاج الكيميائي في الحالة التي هو معها في أمس الحاجة للدعم النفسي والمادي وتخلّي النادي عنه بسوء نية وإهماله سبّب له كسراً عميقاً وأذى نفسياً يستلزم أن يتم تعويضه عنه..! بلغت إجمالي المبالغ المحكوم الصادر بها حكم المحكمة بتاريخ 29 يوليو 2015م مبلغاً وقدره 750 ألف دولار شملت المبلغ المحكوم به ابتداءً من لجنة فض المنازعات بالفيفا وقدره (490 ألف دولار وأضافت محكمة التحكيم مبلغاً وقدره 160 ألف دولار يمثّل مكافآت المشاركة في كأس (ليبرتادوريس) ومبلغاً وقدره 250 ألف دولار ويمثّل التعويض عن الضرر المعنوي. يمثّل هذا الحكم القضائي حالة من الحالات النادرة جدّاً التي تتوسع فيها محكمة التحكيم الرياضية CAS ليشمل قضاءها التعويض عن الضرر المعنوي حيث لا تبسط رقابتها القضائية عادةً خارج نصوص العقد واللوائح المنظمة للرياضة وبالرغم من أن النادي رفض مطالبة اللاعب بالتعويض عن الضرر المعنوي أثناء المرافعة أمام المحكمة واعتبر أن التعويض عن فسخ العقد والمحكوم به من قبل لجنة فض المنازعات بالفيفا كافياً إلا أن المحكمة لم تستجب لهذا الدفع واعتبرت أن انتهاك النادي ألحق ضرراً نفسياً جسيماً للاعب ومكونة بذلك سلطة قضائية تفسيرية قوية للقانون الدولي الرياضي وتطبيقه، منتصرة بذلك لروح العدالة والمعايير الإنسانية والأخلاقية، واعتبار اللاعب إنساناً في الأساس يجب صون حقوقه وكرامته وعدم تعريضه للأذى النفسي وذلك بإلزام الأندية بالوفاء بالتزاماتها في العقود حتى في الظروف الخاصة مثل المرض أو الإصابات الخطيرة ووضعها تحت رقابة صارمة، وهذا يؤكد إن القانون الرياضي لا يحمي حقوق اللاعبين الأساسية والتعاقدية فقط بل تمتد حمايته لحقوقهم الإنسانية أيضاً. لعلّ هذا الحكم القضائي – بعد مشيئة الله – كان هو الشعلة التي أضاءت عالم سيباستيان أوريسا وساعدته لكسب معركته مع المرض بعد صراع مؤلم وطويل حيث منّ الله عليه بالشفاء الكامل وعاد للعب كرة القدم في بلده الأورغواي مع نادي Defensor sporting وهو نفس النادي الذي احتضنه في بداية مسيرته الرياضية. *محامٍ ومستشار قانوني