فكرة التوافق مع سوق العمل تتحول إلى خطأ استراتيجي عندما ينظر إلى الجامعات كوسيط بين الاقتصاد والسياسة لتحقيق متطلباتها، فصناعة الإنسان هي مهمة التعليم في كل أنحاء العالم، هذه الصناعة يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع الطلاب وفقًا للقدرات والميول بعيدًا عن القولبة ذات المسارات الاقتصادية أو السياسية أو الأيديولوجية.. هناك عبارة مشهورة تتكرر في ثنايا الكتب، هذه العبارة تقول: "المستقبل لا يتوقع؛ بل يصنع"، ولكن السؤال هنا يدور حول الكيفية التي يصنع بها المستقبل وخاصة اذا كان الأمر يتعلق بالتعليم ومدى إسهام خريجي الجامعات في صناعة المستقبل الذي يحدد مكانة الدولة من خلال الأدوات الصحيحة التي يعتبر التعليم أهم مصادرها، والأخطر في الأمر هو أن تختلط بمفاهيم التعليم مفاهيم أخرى تصيبه بفقدان البوصلة الدقيقة المؤدية إلى المستقبل، فطريق المستقبل في مجال التعليم غير المحصن بالتقاليد والقواعد والقيم قد يتعرض إلى فقدان القيمة والتفريغ من المضمون. المجتمع فوجئ بطرح جامعة الملك سعود فكرة هي في حقيقتها النهائية مسار متدرج نحو إلغاء مسارات تعليمية إنسانية وحيوية راسخة ومهمة في جميع جامعات العالم الكبرى والمعتبرة، هذه الفكرة ارتبطت بمفهوم يمكن أن يطلق عليه أنه مفهوم التدجين التعليمي، فحصر مسارات التعليم في الجامعة وفق نظرية (احتياجات سوق العمل) يعتبر تبنيا مباشرا وخيارات تتبناها الجامعة وليس المجتمع، وهذا يعنى إخضاع الطلاب لما يحقق مصلحة مشروع للجامعة وليس مستقبلا تجب صناعته من أجل المجتمع. عندما تتحول فكرة سوق العمل في الجامعات والمسارات التعليمية إلى مقدس قيمي بغض النظر عن طبيعة المجتمع وواقعه ومتطلباته، تتحول هذه الفكرة إلى عبء مجتمعي كبير، خاصة أن فكرة التماهي مع متطلبات سوق العمل ليست عملية ثابتة أو ذات قواعد راسخة كونها ظاهرة اقتصادية متحركة ومرتبطة بتحولات داخل المجتمع على المستوى المحلي، وخارجية على المستوى الدولي، فكرة التوافق مع سوق العمل تتحول إلى خطأ استراتيجي عندما ينظر إلى الجامعات كوسيط بين الاقتصاد والسياسة لتحقيق متطلباتها، فصناعة الإنسان هي مهمة التعليم في كل أنحاء العالم، هذه الصناعة يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع الطلاب وفقا للقدرات والميول بعيدا عن القولبة ذات المسارات الاقتصادية أو السياسية أو الأيديولوجية. المشروعات الكبرى في المجتمع، وعلى رأسها رؤية 2030، تقوم في تكوينها على توسيع الخيارات، فالنجاح المنتظر لهذه المشروعات يعتمد وبشكل كبير على منتجات تعليمية ذات بدائل متعددة لدى الطلاب فيها الفرصة لاختيار مسارات التخصص في الجامعة دون أن يفرض على الطالب مسار يعتمد على قدرات ومهارات محددة لا تتوفر إلا لدى نسبة محددة من البشر تحت ذريعة حاجة سوق العمل، ففي هذه الحالة تكون الجامعات قد أسقطت فكرة تعزيز القدرات لدى مكونات المجتمع وثروته وهم الشباب الجامعي، الجامعات مطلوب منها تحويل الشباب إلى قوة للمجتمع وليس خصما للمجتمع وخاصة لدى الفئة التي لا تمتلك القدرات الخاصة بمعايير سوق العمل كما يتم تداولها وتفرضها الجامعة، المستقبل يحتاج إلى إطلاق المواهب وتعزيز روح المبادرة لدى الطلاب وليس القولبة وفق حالة اقتصادية متغيرة تمت تسميتها حاجة سوق العمل. عندما نذهب إلى المستقبل هناك أسئلة كبرى حول المسؤولية ومن يتحملها عندما يفقد المجتمع نصف قدراته التي كانت ضحية مباشرة لفكرة سوق العمل وحاجاته، فالمتوقع من الجامعات أن تسهم في عمليات تحسين الخبرات والتدريب والتأهيل وليس بناء خطوط إنتاج من الطلبة في تخصصات بعينها عبر فكرة تتعارض مع الطبيعة البشرية التي تقول إن القدرات والمواهب لا يمكن اختزالها في تخصصات معينة ومن ثم تحويل المجتمع إلى قوالب متشابهة من البشر بسبب التخصص. التحدي الأكبر أمام المجتمع في تنفيذ تحولاته الكبرى يكمن في قدرته على تفسير واقعه ومتطلباته من القيم والتقاليد الكبرى التي لا يجب المساس بها، ومنها عدم اختزال الجامعات كصانعة تخصصات بدلا من مهمتها الرئيسة كصانعة مجتمع وقيم، الأزمة الكبرى تكمن في تفسير فكرة التطور والتحول، فالجاجة دائما قائمة لتعريفات دقيقة لكل عناصر التطور والتحول، حتى لا يتحول التطور إلى فكرة رقابة مفرطة سببها أن الاستشارات لا تعطي خيارات التفكير والمناقشة، وهذا ما يجعل الاستيعاب ينخفض من قبل المنفذين الذين يقومون بطرح الأفكار دون تردد بغض النظر عن صالحها للمجتمع من عدمه.