في العام 1894م تم إنشاء اللجنة الأولمبية الدولية (IOC) وتزامن مع إنشائها صدور ما يعرف بالميثاق الأولمبي (Olympic Charter) ويعتبر المرجع القانوني الأول حديثاً والأعلى الذي ينظم حقوق الرياضيين وقواعد اللعب النظيف، ومع تزايد وازدهار النشاط الرياضي وتعدد الاتحادات الرياضية الوطنية والدولية وتشعب العلاقات وتداخلها وفي أوائل الثمانينات من القرن الماضي في بداية ترؤسه اللجنة الأولمبية الدولية (IOC) خوان سامرانش لاحظ كثرة الخلافات الرياضية بين الرياضيين والاتحادات الرياضية الدولية واللجان الأولمبية الوطنية حيث كانت الاتحادات أو اللجان والدول تضع قوانينها الخاصة ومع تشعب العلاقات الرياضية ودخول أطراف دولية مع بعضها اتسعت الخلافات ووصل الأمر إلى ما يسمى (فوضى قانونية دولية) في العام 1981م طرح سامرانش فكرة إنشاء محكمة متخصصة في النزاعات الرياضية تتصف بسرعة البت في النزاعات والاستقلال والحيادية وتتبع نوعاً من القضاء غير العادي وهو التحيكم، وبالفعل تم إنشاء محكمة التحكيم الرياضية (Court of Arbitration for Sport – CAS) في العام 1984م في مدينة لوزان السويسرية وتحت إشراف اللجنة الأولمبية الدولية إدارياً ومالياً ولكنها سرعان ما استقلّت عن اللجنة الدولية استقلالاً تاماً بعد بعد قضية جوندويل الشهيرة Gundel case والمنظورة في المحكمة في العام 1986م وتتلخص القضية أن المار جوندويل كان فارساً ألمانياً وفي أحد سباقات الفروسية أثبتت نتيجة الفحص وجود مادة منشطة في دم حصانه، تم معاقبته بالإيقاف من قبل الاتحاد الدولي للفروسية ورفض هذا القرار ولجأ لمحكمة التحكيم الرياضية طاعناً في قرار الإيقاف، وبعد نظر القضية أصدرت المحكمة قرارها برفض الطعن ضد قرار الإيقاف الصادر من الاتحاد الدولي للفروسية. بعدة عدة سنوات وتحديداً في العام 1992م رفع جندويل طعناً إلى المحكمة الفيدرالية السويسرية طاعناً في قرار المحكمة ومسبباً طعنه بأنها تابعة للجنة الأولمبية الدولية وليست محكمة مستقلة وقبلت المحكمة العليا الطعن وألغت قرار محكمة التحكيم الرياضية ..! في العام 1993م أقرت المحكمة الفيدرالية السويسرية محكمة التحكيم الرياضية CAS محكمة تحكيم رياضية شرعية وأوصت بأن تكون مستقلة تماماً عن اللجنة الأولمبية الدولية وبعد ذلك بعام تم إنشاء المجلس الدولي للتحكيم الرياضي (ICAS) ليكون مشرفاً على المحكمة ويعزز استقلالها التام. نستطيع القول بأن محكمة التحكيم الرياضية تختص بنظر كافة النزاعات الرياضية ذات الطابع الدولي مثل النزاعات بين اللاعبين والأندية والنزاعات بين الهيئات الرياضية مثل النزاعات بين الاتحادات الوطنية والدولية، وتختص بما يسمى التحكيم الأولمبي والطعن على قرارات الاتحادات الدولية مثل الفيفا والاتحاد الأولمبي والوكالة العالمية لمكافحة المنشطات. اليوم وبعد تزايد العلاقات الدولية وتداخلها في النشاط الرياضي وتطور الرياضة لتصبح صناعة اقتصادية هائلة تدر الأرباح وتدعم ميزانيات الدول أصبح تقنين هذه العلاقات ضرورة لحفظ الحقوق وازدهار هذه الصناعة مما جعل محكمة التحكيم الرياضية ذات أهمية كبرى والقرارات الصادرة منها محل احترام كبير وملزمة ونهائية بموجب قوانين الاتحادات الرياضية الدولية. على مدى 45 عاماً أصدرت المحكمة الكثير من الأحكام القضائية – منها بعض الأحكام التاريخية - التي كانت نقطة تحول في صلاحيات المحكمة نفسها – ولا يخفى على الدارسين والعاملين في حقل القانون أن الأحكام القضائية (السوابق القضائية) مصدر من مصادر القانون وتكون هي المصدر الأول وملزمة للمحاكم العاملة على النظام الانجلوسكسوني (Common Law)، صحيح بأن هذه السوابق الصادرة من المحكمة ليست ملزمة لها بشكل قانوني باعتبار أنها محكمة تحكيم اتفاقي تعاقدي بين الأطراف وليست محكمة وطنية تتبع نظاماً قضائياً للدولة ولكنها على الجانب العملي تلتزم بالسوابق القضائية معتبرةً إياها اجتهاداً قضائياً مستقراً لديها ولا تخرج في قضائها عن السوابق إلا بأسباب قوية جداً ومبرّرة. تحفل ملفات القضايا في محكمة التحكيم الرياضية بالكثير من القصص والكثير من التشويق والإثارة والغرابة وكذلك الكثير من القضايا التي كانت سبباً لتغيير القوانين أو تعديلها أو حتى فرض عقوبات على دول بأكملها كما حدث في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في روسيا 2018 عندما أصدرت قراراً باستبعاد عدد من الرياضيين الروس بسبب فضائح المنشطات، ويبقى أثرها الأكبر في سوق انتقالات اللاعبين. *محامٍ ومستشار قانوني. خالد بن فرح المطيري