بابتهاج بالغ نقف أمام نافذة الماضي فلا نستطيع أن نتجاوز خُطى الأسلاف التي تضعنا على الأصالة وحضرة التاريخ، وعلى إثر وقع إيقاع الماضي وخُطى الأمس نحفل اليوم بتفاصيل ثقافتنا وتباينات أبعاد الجغرافيا وحقيقة التاريخ، فلا نكاد نكف النظر عن منازل الطين النجدية وملامح تشييدها، حيث جذوع أشجار الأثل وسعف النخيل ونتوءات القش على جدرانها وزخارف الجص في واجهاتها وفجوات الفراغ بملامح بعده الثالث، وأفياء انكسار ضوء الشمس وانبعاث رائحة الطين النّديّ في تلك المنازل القديمة، وتتراءى لنا صورة من الذاكرة حين نعبر (المجبب)، فكل ملامحها تقودنا إلى سياق تحرير بصري بديع ورائع يغني فيه النظر عن الشرح لتكملة المراد من الكلام. إن ملامح المداميك التي ترتصف في تجاور تام تتجاوز كلمة الأساسات ومعنى تحمّل الأثقال، إلى لوحة بديعة وباذخة الجمال حين تكون على شكل قوالب هندسة متعددة الأشكال تمنح الرائي هيبة البناء وعنفوان الماضي، تلك المنازل لم تشكل حميمية لملتقى العائلات، ولا مثالية للمناخ الصحراوي الحار في الجزيرة العربية، ولا حامية من تقلبات الأجواء مع تغير الفصول الأربعة، ولا مكانا يأوي إليه الإنسان، بل إنها ابتعدت وتعدّت إلى أكثر من ذلك لتكون مسكنناً عامرا بالقيم الجمالية وخصوصية ينفرد بها المكان، مع روحانية وحميمية تألفت فيها النفوس بمعراج لا ينتهي، واليوم هي الأخرى تتجاوز بعدها الجمالي لتستدعي ثقافة وتاريخا، فضلا عن أنها تضعنا على أمجاد الماضي وعطاء الإنسان وثمرة العطاء والجهد والتفاني، فهي اليوم تثير فينا فنون العمارة والقدرة على الإبداع الهندسي وتستحق معنى الحضارة ككلمة تعبر عن ثمرة جهد الإنسان، إنها أمكنة ممتدة تسكن في أرواحنا، وتتسرب إلى أعماق النفس، وتلهمنا بروح الإنسان الذي أسس وشيّد، إنها الوجه الظاهر للتجربة الإنسانية الفريدة من نوعها التي تستحق منا اليوم أن نعمل على إحيائها والتعاطي معها كجزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ليتجلى لنا اليوم طراز البناء السلماني الذي يركز على الهوية الوطنية واستمرار محورية الإنسان في مواءمة تامة بين الأصالة والحداثة، لأن تلك الأشكال سوف تنقلنا بوعي وبثبات منتظم لا يتغير إلى كل أبعاد المستقبل لنعيش معها الحاضر بكل تفاصيله ونستلهم من خلالها الوجه المشرق للماضي، كل ذلك يتلازم بوثوق مع قيمنا وعاداتنا المتوارثة، لتسير خطى الأحفاد على أثر خطى الأجداد، حيث الأصالة والنبل والكرم والسجايا الطيبة وكل الصفات الحميدة، عند ذلك فقط لا يخلو مخزون الذاكرة ولا تنضب معلومات الأجيال، وتظل سلاسل ممتدة ومتعاقبة، ولهذا جاءت الرؤية الوطنية من عرّابها الملهم سيدي الأمير محمد بن سلمان - يحفظه الله - كأحد الروافد الحية وبقوى معنوية دافعة أتاحت الفرص وغيرت وجه الحياة، واتسعت معها الرؤى وزادت الأطماح لتكون حركة الاتجاه نحو عمقنا الثقافي وتبعات جريان حركته بين بعدي الزمن، وكذا اتساع دوائره لتكون وزارة الثقافة بهيئاتها المتخصصة، عنوانا آخر ودليلا لما بعدها، ثم ينبثق نور جامعة الرياض للفنون ليكتمل عقد الثقافة، لتكون توءمة مع الفن، فتتاح الأجواء المناسبة بعلاقات معرفية وأكاديمية تستوعب كل الثقافات على ثراء هذا الوطن المعطاء في ظل قيادته الرشيدة -وفقها الله-، وقد بات من المؤكد مرونة الحركة الثقافة بشكل علمي سلس ومؤصل، الأمر الذي سيتيح سرعة النمو والقدرة على استيعاب ذلك القدر الهائل من الثقافات المتنوعة والمتعددة، لتكون على صورها وعلى حقيقة ناصع بياضها وماثلة للعالم نلهم بها أجيالنا، ومعها تزيد وافر الفرص لتعزز قدرة وتنوع اقتصادنا، وهذا دون أدنى شك سيتيح لنا نشاطا مفتوحا وحركة سياحية رائدة في الشرق الأوسط وقدرة فاعلة على عمل مميز، وعطاء فكري متداول نراكم على أثره خطط أعمالنا واحتفالاتنا اليومية وفعالياتنا الوطنية.