هل نحن صانعو ذكرياتنا.. أم هي صنعيتنا؟ أم تنسج مستقبلاً ينتظرنا لاحقا للحظة نحياها كي نستند عليها من وعثاء الزمان وتزيح الستار عن نافذة حاضرنا باحثة عن البسمة الغائبة، بل هي وجود زمني ممتد على مدى السنين باختلاف القصص النثرية وسردها المبهج والحزين وبين هذه وتلك يظل الوقوف على أطلال الماضي تشافي للروح ووقود للعزم. وفي حقيقة الأمر هي جولة كينونية زمنية أبطالها الذات والواقع والمكان والزمان والحاضرين والراحلين كلُ منِّا يحمل جعبته الممتلئة، ولا نستطيع نكران الماضي إذ أنه جزء من تكوين هوية الإنسان وبناء قرارته وصقل شخصيته بل هناك كثير من المواقف الحياتية غيرت مسار الفرد وصنعت منه هيكلة فكرية مختلفة. وهنا فرق شاسع بين أن يكون الماضي وقود أم قيد، إذا استطاع الإنسان أن يحطم قيود آلالام سابقة استباحت أعماقه ويشق عن صدر القوة لتنبثق إرادته الخفية، لا أن يظل حبيس زوايا تلك الليالي المظلمة في سجن أبدي، لأن السلوك الفكري لا يكون وليد انفعال طارئ، بل نتيجة تراكمات شعورية تبلورت في قالب تجربة ومانتج عن هذه التجربة حُسِمَ السلوك من بعده إما اعتماده منهج (تعامل) أو توخي الحذر (وقاية). والذاكرة ليست مرآة حقيقة لذكرياتنا، فهي مرتبطة بالحدث وتوجه عاطفتنا له فقد تضخم موقف وتقلل آخر يعود ذلك لارتباطنا الوجداني بالذكرى، ونحمل الماضي أحياناً كبوصلة داخلية شفافة توجه تعاملنا المباشر الحاضر مع الأشخاص وتقبل المواقف، بل وتلهم البعض قراءة المشهد برؤية حكيمة ذات فراسة عالية لأصحاب التجارب. وللذكريات رموز وقورة في عقولنا، نحمل لها الاجلال والاحترام لمجرد مرور أطيافهم ونستلهم منهم القوة والحياة، ولا غرابة لتدلي أغصانهم الوارفة على بساتين أيامنا (أعتقد أن أحدهم استرق الوقت من فكرك عزيزي القارئ)، ونحن أبناء اليوم ومواليد الغد ويجدر بنا رسم المستقبل كجمال يوسفي يحمل قيمة سلطانية مشرقة لكي نحيا الحياة كما أكرمنا بها البارئ بعيداً عن الحزن والأسى، لأن ما تعيشه اليوم هو ذكرى الغد، فأحسن صناعة ذكرياتك وما تعلمته بالأمس هو زاد الاستمرارية، إلاّ أن الحداثة مطلب إدراكي للذاكرة بين رابطة الزمن والعقل لأن التأرجح بين تجاهل الماضي واجتراره يفقد الفرد توازنه تجاه ماسبق من أيام مضت، بل المنتصف في الأمر إقامة علاقة حرة وثيقة بين كان وما يكون، وتظل الذكرى هي الصورة السرمدية للزمان.