مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز حملة اغتيال القيادات، وقدرته على مواجهة هذه الحملة بشبكة لا مركزية تقلل من أهمية دورها في إدارة العمليات، فقد ترك الذكاء الاصطناعي ظهره مكشوفا أمام أزمة الطاقة التي تسببت بها الحرب. العدو ليس الطرف الآخر في الصراع، إنما العدو الحقيقي هو الحرب نفسها. المفارقة ليست في ساحة المعركة هذه المرة. بل في الأسس المادية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي. مع كونه شفرات مصدرية تعمل في الخفاء، فإنها عنصر طاقة مضغوط تسخر له بنية تحتية ضخمة لتشغيله. فوراء كل نموذج توجد بنية معقدة من مراكز البيانات وأنظمة التبريد وسلاسل توريد أشباه الموصلات، كلها تعتمد على طاقة وفيرة بأسعار معقولة. هكذا تكونت في هذه الحرب تغذية راجعة تدور حلقتها بسرعة. الصراع الذي يعطل أسواق النفط والغاز لا يرفع أسعار الوقود فحسب؛ بل يرفع تكلفة الحرب نفسها. في الولاياتالمتحدة، بدأت مشاريع توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مواجهة تحديات التكاليف المرتفعة للطاقة. فقد حذر عدد من شركات المرافق من أن مراكز البيانات الجديدة قد تتأخر بسبب قيود سعة الشبكة، في حين تعدل الشركات الكبرى مثل مايكروسوفت وغوغل وتيرة توسعها جغرافيا استجابة لتغيرات تكاليف الطاقة وتوفرها. هذه ليست انعكاسات مبالغا فيها، لكنها إشارات مبكرة لزعزعة هيكلية حيث يواجه الذكاء الاصطناعي تحديات في مواصلة نموه بناء على الحدود المادية لأنظمة الطاقة. نتيجة لذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج الظروف التي تحد من قدرته على شحذ الصراع بسبب شح مصادر الطاقة والانكماش الاقتصادي. ما يبدو أول الأمر ميزة تقنية، يتحول إلى صراع داخلي بين القدرة والتكلفة. من المرجح أن يعيد هذا التوتر تشكيل مسار الذكاء الاصطناعي نفسه. لأكثر من عقد من الزمان، كان النموذج يدفع بالحجم سعيا وراء نماذج أكبر، والمزيد من البيانات، والمزيد من الحوسبة. ولكن عندما تصبح الطاقة مكلفة ومتذبذبة، يبدأ هذا النموذج في التصدع. نتيجة لذلك، يمكن أن يتحول الابتكار نحو أنظمة أكثر كفاءة، نماذج أصغر وبنى محسنة ترشد في استهلاك الطاقة. لا يبدو الذكاء الاصطناعي بهذا المعنى معاملا يضاعف القوة الحربية ببساطة. لكن أصبح نظاما له حدوده الذاتية التي تتأثر بالظروف المادية ذاتها التي يعطلها الصراع. هذه الظروف المادية ليست محدودة في منطقة معينة إنما لها طابع شبكي عالمي يمكن أن تؤدي إلى سلسلة من التفاعلات التي تؤدي في النهاية إلى تقييد أدوات الحرب وربما الحد من توسعها. ما حدث اليوم في حرب إيران، أن الذكاء الاصطناعي لعب دورا في تعطيل مصادر الطاقة التي توفر له قدرة على ممارسة عملياته الأساسية وتدعم المشاريع التي تضمن له نموه مستقبلا. أصبح الذكاء الاصطناعي مثل الوحش الذي كبر فجأة حتى أصبح يعض شبكة أطرافه الطويلة.