قيم العمل اختلفت عما كانت عليه في السابق، فالجيل القديم كان يحتفظ بوظيفة ثابتة ويستمر عليها حتى التقاعد، واليوم يحتاج التطور الوظيفي عند الجيل الجديد إلى التنقل بين وظائف متنوعة، وعدم الاستقرار في مكان واحد، وبما يفيد في تنويع خبراتهم ومعارفهم، وهذا يفسر طريقتهم المختلفة في التفكير، التي قد تؤدي أحياناً، إلى صدامات بينهم وبين الأجيال الإدارية السابقة لهم.. استنادًا لما نشرته مجلة التنمية الإدارية، التي يصدرها معهد الإدارة العامة السعودي، ومعها المركز السعودي لاستطلاعات الرأي، وذلك ما بين عامي 2024 و2025، فإن الخلافات بين الأجيال الإدارية الأكبر والأصغر سناً في القطاعين العام والخاص، لا تتوقف عند مسألة السن وحدها، وتوجد بينهما فوارق عميقة في أساليب واستراتيجيات العمل التي يفضلونها، فالجيل الأصغر وتحديدا من أواخر جيل الألفية الى بدايات جيل زد، ممن تتراوح أعمارهم ما بين 20 و39 عاماً، يمثلون ما نسبته 60 % من إجمالي القوى العاملة في سوق العمل المحلي، وهذا الجيل الشاب يميل إلى أسلوب العمل عن بعد، وإلى إتاحة ساعات عمل مرنة، بالاضافة إلى استخدام وسائل رقمية سريعة في التواصل. في حين يصر الجيل الأقدم، على الالتزام بالحضور الشخصي، وبساعات العمل المكتبية المعتادة، ولا يعترف إلا بالاجتماعات المباشرة، وبالبروتوكولات الرسمية في إدارة الأعمال على اختلافها، واستنادا لأرقام هيئة الإحصاء في عام 2025، فإن جيل زد السعودي، يعتبرون الأكثر نموا في التوظيف خلال العامين الماضيين، رغم أن أكبرهم في حدود 29 عاما وأصغرهم لم يتجاوز 16 عاماً، ومن يشغل معظم مناصب الإدارة الوسطى والتنفيذية، في هذه الأيام، هم جيل الألفية، وهؤلاء أعمارهم ما بين 45 و30 عاماً. المؤكد أن جيل زد سيحل محل جيل الألفية في الأعوام القليلة المقبلة، والفارق بين الجيلين تكشفه الأحداث الحاسمة لكليهما، فجيل الألفية تمثل اعتداءات 11 سبتمبر علامة فارقة في حياته، بينما جيل زد تأثر بأزمة كورونا أكثر من غيره، ووجدت دراسة نشرتها مجلة التنمية الإدارية عام 2025، أن جيل زد المولود ابتداءً من 1997، يحاول إعادة تشكيل بيئة العمل في المملكة، فهو يطالب بمرونة أكبر واستقلالية في اتخاذ القرار، ما قد يؤدي إلى صدامات بينه وبين الأجيال الإدارية الأكبر سناً، التي تميل إلى تفضيل الهياكل الإدارية الصارمة، وتنحاز إلى التبعية الإدارية ومركزية القرار، ولعل الميزة التنافسية لجيل زد، تبدو في المهارات الرقمية المتفوقة بمراحل على سابقيه، ونشرت مؤسسة توث إكستثينغ في 2022، أن جيل زد يقود عملية تحول كبيرة في سوق العمل العالمي، لأن أبناءه يعتبرون الأكثر عددا على مستوى العالم، وأعدادهم في أميركا وحدها تصل إلى 60 مليون شاب، ما يعني أنهم سيمثلون الجيل صاحب النفوذ الأكبر، وخصوصاً في بيئة العمل المستقبلية، والزيادة أنهم يشكلون اليوم ما نسبته 30 %، من إجمالي القوى العاملة العالمية. ينظر البريطانيون إلى العام الحالي 2026، باعتباره أول عام في التاريخ الإنساني، تجتمع فيه ستة أجيال بريطانية في سوق العمل، أولهم أكبر مواليد جيل ألفا في 2010، وآخرهم أصغر أبناء جيل التقليدين أو الجيل الصامت، المولودين في 1945، والذين يشكلون ما نسبته واحد في المئة من الموظفين، وبينهما مواليد جيل إكس، ممن يشكلون 35 % من القوى العاملة، و50 % من المديرين، ومتوسط أعمارهم 55 عاماً، وبحسب بحث أجرته شركة هيدريك أند ستراغلز، المتخصصة في أبحاث الموارد البشرية، وتم نشره في العام الجاري، فإن 75 % من أعضاء مجلس الوزراء البريطاني، هم من أبناء جيل إكس، ومتوسط أعمار المحررين في الصحافة البريطانية، لا يزيد على 56 عاماً، والمعنى أن الإكسيون يديرون ملفات السياسة والاقتصاد والإعلام في بريطانيا، وأبناء هذا الجيل من البريطانيين مخضرمون وأصحاب خبرة كبيرة، فقد كانوا شهودا على سقوط الإيديولوجبات اليمينية واليسارية، وأدركوا ان الرأسمالية لا تقدم نموذجا عادلا، واكتشفوا بعد سقوط جدار برلين عيوب الشيوعية وأنها ليست حلا. في المقابل الأجيال المولودة من عام 1945، تهتم بالألقاب الوظيفية، ويفضلون استخدامها من قبل مرؤوسيهم، في تعاملاتهم المختلفة معهم، ولو كانت بلا مضمون، بينما يعتقد مواليد 1994 ومن بعدهم، أن الوظيفة الحقيقية المحددة بمهام أهم من الألقاب الوظيفية منزوعة الدسم، والكلام عن المجتمعات الغربية والعربية معاً. قيم العمل اختلفت عما كانت عليه في السابق، فالجيل القديم كان يحتفظ بوظيفة ثابتة، ويستمر عليها حتى التقاعد، واليوم يحتاج التطور الوظيفي عند الجيل الجديد إلى التنقل بين وظائف متنوعة، وعدم الاستقرار في مكان واحد، وبما يفيد في تنويع خبراتهم ومعارفهم، وهذا يفسر طريقتهم المختلفة في التفكير، التي قد تؤدي أحياناً، إلى صدامات بينهم وبين الأجيال الإدارية السابقة لهم، لأنها تنظر لسلوكياتهم في العمل باعتبارها تمردا على الآداب المتوارثة، وعلى المرجعيات الوظيفية، والصدام السابق قديم ويعود تاريخه إلى الحضارة البابلية قبل ثلاثة آلاف عام، وفيها توثيق لكتابات تتهم الشباب أنهم فاشلون، ولا يستطيعون تحمل المسؤولية، وخسائره الحالية على الشركات في أميركا، تقدر بنحو 65 مليار دولار سنوياً، وأتمنى وجود أرقام محلية، يمكن من خلالها الوقوف على التكاليف الاجتماعية والاقتصادية، لهذا الصراع الإداري بين الأجيال، وتحديداً في بيئة العمل السعودية.