في عام 1935م وبينما كانت رمال نفوذ السّر الذهبية وعروق قنيفذة الممتدة تلتف حول خطى المستكشف البريطاني الشهير جيرالد غوري وهو في طريقه من قلب الرياض إلى عروس البحر الأحمرجدة بعد لقائه الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وعدد من الأمراء والمسؤولين لم تكن تلك الرحلة الشاقة مجرد عبور جغرافي بين المدن بل كانت في حقيقتها معراجا نفسيا وفلسفيا عميقا لاكتشاف جوهر الإنسان العربي الذي سكن هذه الفيافي القاحلة وحوّلها إلى مسرح للقيم الإنسانية الرفيعة. يرحل بنا غوري وهو الكاتب والدبلوماسي المحنك في مذكراته الثرية كما ذكر في كتابه (يوميات رحلة من القاهرة إلى الرياض) يرحل إلى لحظة التحرر الكامل من أدغال التكلف الاجتماعي والحضاري الزائف، حيث تصبح الممتلكات المادية في نظره عبئا ثقيلا أمام عظمة الخالق التي تتجلى بوضوح في شمس لا تغيب عن الروح الظمأى للحقائق ونجوم ساطعة تحكي في كل ليلة قصص الانتصار اليومي للوجود البشري فوق ذرات الرمال الملتهبة. يصف غوري بذكاء شديد البدوي بلقب الملك في إقليمه الخاص وهو ملك لا يملك تاجا مرصعا بالذهب بل يستمد سيادته المطلقة من صموده الأسطوري ومن حالة الأمن الوارفة التي بسطها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود في كافة أرجاء الجزيرة العربية حتى غدا البدوي البسيط يقول بثقة ديمقراطية مذهلة أنا ملك مع إبلي في هذه الصحراء الواسعة ما دمت تحت حكم بن سعود وعدله وضبطه لأمن هذه البلاد باتساعها الجغرافي. ولعل أكثر ما استوقف غوري وأدهش بصيرته هو قداسة الرفقة التي تُعقد بمواثيق الدم الغليظة وهنا يجب أن نوضح للقارئ الكريم ما أسماه المترجم إن لم يكن غوري نفسه في بعض المواضع «أضحية» وهي في عرفنا العربي الأصيل «شاة الحلف» أو شاة الخوّة التي تمثل قمة الهرم الأخلاقي في البادية. إن هذا الطقس الاجتماعي المهيب ليس مجرد ذبيحة لتقديم الطعام، بل هو دستور اجتماعي وقانون أخلاقي يُصهر فيه الغريب والبعيد داخل كيان القبيلة المتماسك، فحين تنحر هذه الشاة من قبل الغريب القادم للقبيلة في لحظة فارقة لا يعود الطرفان غريبين عن بعضهما أبدا بل يسيل الدم ليعلن بوضوح ذوبان كافة الفوارق القبلية والمناطقية وميلاد ما يمكن تسميته وحدة المصير المشترك وبمجرد أن ينطق أصحاب الشأن قولهم المأثور بهذه الذبيحة نصبح إخوانا يصبح كل شيء بينهم مشاعا ومباحا الخيمة التي تظلهم والزاد الذي يقيم أودهم والعمل الذي يشغل يومهم إنها بحق جنسية الروح التي تمنح الخوي حماية مقدسة لا تقبل المساومة، وتجعل من خيانته عارا أسود يلطخ سمعة المرء ولا يمحوه مرور الزمن مهما طال. لقد أخطأ المترجم بشكل واضح بتسميتها أضحية بمعناها الديني المجرد فهي في الحقيقة ميثاق وفاء بشري رفيع يربط القلوب قبل الأجساد ويجعل من الغريب أخا في الشدائد والمحن. يرسم غوري في ثنايا مذكراته لوحة نابضة بالحياة لصبيان الصحراء الفخورين وهم يسيرون في هجير الشمس شبه عراة والذين يزدرون العطش بصلابة نادرة ويكتفون في يومهم الطويل بحفنة تمر صغيرة معتبرين كثرة الملابس والرفاهية ضعفا بشريا لا يليق بمواجهة رمال النفود العظيمة، لكن غوري في انبهاره بتلك المشاهد ربما غفل عن واقع مرير كان يغلف تلك الأجساد النحيلة فالعري الذي رآه ترفعا وتجردا كان في جوهره تعبيرا صارخا عن العوز والفاقة وضيق ذات اليد حيث كانت الملابس والكساء ترفا لا يدركه إلا القليل في زمن قست فيه الظروف المادية وعز فيه المال الذي تُشترى به الثياب الجديدة فكان الصمود تحت لهيب الشمس أو زمهرير الشتاء ضرورة فرضها الفقر لا مجرد خيار فلسفي ورغم ذلك ظل هذا الجيل الفريد متربيا على مبدأ الاكتفاء والزهد. حيث الجمال تتهادى في الأفق كطواويس تزهو بأحمال الحطب الثقيلة والخيول العربية الأصيلة تُساق من ديار شمر العريقة لتعزز مرابط العز والفروسية في قلب الدولة الناشئة القوية. إنها الصحراء التي قد تبدو للغريب الجاهل موحشة ومخيفة، لكنها في عيني غوري وفي قلب البدوي النابض تمثل وطن الحرية المطلق وملاذ الفخر الأبدي حيث الكلمة تُعقد بالدم والسيادة لا تُنال إلا بالصبر الطويل تحت شمس لا تعرف المحاباة ولا ترحم الضعفاء بل تصنع من الرجال معادن صلبة لا تكسرها هجمات الزمن ولا تغيرها تقلبات الدهر وتلك هي الفلسفة التي جعلت من هؤلاء القوم ملوكا في أرضهم وسادة في أخلاقهم يورثون الوفاء كابرا عن كابر. نفود صعافيق الصحراء الموحشة في عين البدوي وطن الحرية الجمال تتهادى في الأفق كطواويس بعد نحر الشاة للقادم لا يعود الطرفان غريبين سعود المطيري