لن تفشل أميركا في هذه الحرب إذا ما استعادت أفكار كيسنجر وتخلت عن طموحات نتنياهو في المنطقة، فإعادة إيران إلى المنطقة تبدأ من قوة أميركا التي يجب أن تؤدي إلى مشروع سلام بالتشاور والتعاطي مع دول المنطقة وليس تل أبيت، وإذا لم يحدث ذلك فالنتائج كارثية.. التحديات الاستراتيجية المعقدة التي تواجهها إدارة ترمب في حربها اليوم ضد إيران لم تعد تحديات تكتيكية يمكن تجاوزها، فالواقع يعكس مؤشرات كبرى لمرحلة صعبة قد تؤدي الى انهيار القدرة الأميركية وتخلخل قوة الإرادة التي يمكنها إدارة مشهد الحرب، سياسات أميركا في هذه الحرب أصبحت تفتقد الى المسارات التي تعتمد الواقعية السياسية التي كان يستخدمها كيسنجر، والتي تؤدي في النهاية الى نتائج إيجابية في إدارة الصراعات الأميركية وبناء التحالفات بعيدا عن المواجهة المفتوحة كما هي الآن، ليس مع إيران لوحدها بل في عدة مواقع في العالم، فحتى المواجهة الإعلامية بين الرئيس ترمب وبقية قادة دول العالم أصبحت تعاني من نفس الأزمة حيث لا واقعية سياسية تحكم تلك التصريحات التي تصدر من البيت الأبيض. اليوم تقود أميركا حربا تقول مؤشراتها انها تتشابه وبشكل كبير مع تلك الحرب التي خاضتها أميركا ضد فيتنام والتي بدأت 1955-1975م نتائج تلك الحرب كانت بالفعل صدمة حضارية لأميركا وللعالم، حيث تحولت الى كابوس سياسي وإنساني برغم التفوق الأميركي على مستوى السلاح والتكنولوجيا، لقد كانت إدارة المعركة سببا رئيسا في انقلاب الرأي العام الأميركي وتسبب ذلك في خروج طلاب الجامعات في مظاهرات تتساءل عن الحرب ومسارها، فالشكوك في تلك المرحلة حول هذه الحرب وكيف يمكن كسبها أصبحت هي العنوان الرئيس لكل المطالبات الشعبية الأميركية، وكانت الحقيقة الكبرى ان تلك الحرب شكلت منعطفا مهما في بناء السياسيات الأميركية التي قادها كيسنجر صاحب مبدأ الواقعية السياسية الذي غيّر مسار الحرب. الحرب الأميركية الإيرانية اليوم وبرغم انها حرب تمتلك الأسس الاستراتيجية والسياسية لقيامها الا انها تتحول الى منطقة تتطلب تدخلا مختلفا، إيران عمليا هي في الواقع تتطلب تدخلا دوليا لتغيير سياساتها المهددة للمنطقة والعالم بسبب رغبتها بامتلاك سلاح نووي، لذلك أصبح تحجيم قدرات إيران النووية والصاروخية هدفا أميركياً ارتبط بالمصالح الاستراتيجية لواشنطن، ولعل السؤال المناسب هنا في ظل تعقيدات مشهد الحرب يدور حول الحاجة لنهج واقعي في إدارة الأزمات يماثل سياسات هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي في عهد الرئيس نيكسون. نظريات القوة التي تقول: إن القوة تساوى الإرادة زائد القدرة، هي ما يجب قراءته اليوم، وبمحاولة تطبيق هذه النظرية حول الحرب الأميركية على إيران نكتشف أن أميركا بحاجة الى عمليات سياسية يتم من خلالها انتزاع إرادة القتال من خصمها في إيران من خلال نهج يخترق الإرادة الإيرانية وتحويلها الى باحثة عن السلام، وهذا هو النهج الذي سوف يفضله كيسنجر لو كان على قيد الحياة، فنظرية كيسنجر التي فرضها في فيتنام تقوم على مقولة واضحة أن النصر في الحرب يعني كسب هذه الحرب، بشرط ان يؤدي كسب هذه الحرب الى سلام دائم، هذه الحرب الأميركية الإيرانية بوجود إسرائيل في المعادلة هو ما جعلها تبتعد عن واقعية كيسنجر التي تؤكد وبشكل واضح أن الانتصار في مثل هذه الحرب لن تحسمه القدرة العسكرية وحدها حتى وإن كانت مقرونة بتدخل بري، خاصة إذا ما استمرت كنهج استعراضي هدفه استعراض القوة. يمكن لأميركا الفوز بالمعركة؛ ولكن ذلك يتطلب شرطا مهما يقوم على اقتران نهاية الحرب بمخرج سلام حقيقي يعود على المنطقة بالفائدة، وهنا السؤال الآخر حول دور إسرائيل التي تقف خلف دفع أميركا لتتحول الى مصارع يستعرض قوته دون ان يقدم في السياسة شروطها ودروسها، المطلوب ليس عملية عسكرية تستخدم أعتى الأسلحة، فالمنطقة بحاجة الى ان تعي أميركا ان عليها في النهاية إنتاج إيران مستقرة سياسيا واقتصاديا باحثة عن السلام متعايشة مع جيرانها. المعادلة الأميركية لهذه الحرب تتطلب إخراج إسرائيل من متغيراتها وبدلا من ذلك إدخال دول المنطقة وبناء نموذج سياسي يقوم على مبادرة أميركية لفتح مسارات الحوار، إيران اليوم أصبحت جاهزة للحوار كما هي في ذات الوقت جاهزة للاستمرار في إغراق المنطقة بالمسيرات والصواريخ. كيسنجر أميركا الجديد هو دول المنطقة التي تسعى بجدية لكي تدفع أميركا الى أن تتحول من مرحلة الحرب الى مرحلة الحسم التي تعتمد على إنتاج مسار سلام يخلص المنطقة ويحفظ التوازن الدولي، لن تفشل أميركا في هذه الحرب إذا ما استعادت أفكار كيسنجر وتخلت عن طموحات نتنياهو في المنطقة، فإعادة إيران الى المنطقة تبدأ من قوة أميركا التي يجب ان تؤدي الى مشروع سلام بالتشاور والتعاطي مع دول المنطقة وليس تل أبيت، وإذا لم يحدث ذلك فالنتائج كارثية.