ربما لم يخطر ببال رونالد كاوس أننا في عصر الذكاء الاصطناعي سنعود لسؤاله: لماذا نحتاج إلى المؤسسات في وجود سوق يوفر الخدمات كلها؟ بصيغة أخرى بما يناسب الأحداث الجارية في حرب إيران، كيف للذكاء الاصطناعي الذي أعاد إحياء استراتيجية قطع الرأس من جهة، أن يميتها من جهة أخرى؟ كانت ملاحظة كاوس أن تكلفة المؤسسات وكفاءتها مرتبطة بقدرة التواصل بين أجزائها، حيث ترتفع هذه الكلفة كلما كان التواصل أقل كفاءة. لذلك احتجنا لمؤسسات تخلق بيئة ثقافية من التواصل العالي لرفع كفاءتها التنفيذية. لكن إذا حلت مشكلة التواصل من جذورها بالذكاء الاصطناعي اليوم، سنجد أنفسنا أمام مؤسسات مختلفة تماما. لاحظ ميلفين كونوي بناء على سؤال كاوس أيضا، أن طرق التواصل المؤسسي تشكل منتجاتها. بمعنى آخر، ليس شكل المؤسسات مصادفة، لكنه مرتبط بحركة المعلومات بين أجزائه. المنتجات والخدمات وطبيعة التنسيق الذي تتطلبها، تفرض على المؤسسة شكلها. بناء على ما سبق يتبين لنا أن المؤسسة وجدت وتشكلت من أجل إدارة التواصل بين أفرادها. وبدخول الذكاء الاصطناعي وتوليه مسؤوليات الأعمال التشغيلية وغيرها من الأعمال، سيتغير هذا المنظور. فإذا تولت الأنظمة التنسيق بدلا من الإنسان، فستنحل كثير من القيود. لن تتحسن الكفاءة فحسب، بل شكل المؤسسة ومنهجية عملها ودور هيكلها الإداري الذي يديرها. فلن يكون للتسلسل الهرمي دوره السابق في توجيه المعلومات: من يقدم تقاريره إلى من، ومن يقرر ماذا، وكيف يتدفق العمل. عندما تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي التواصل بينها، سيكون الهيكل الإداري أكثر سيولة، ويتشكل حسب الحاجة. ولن يكون لدى الأفراد أدوار محددة مسبقا بناء على الهيكل الإداري. سيحدد النظام دورك حسب الحاجة والقدرة والسياقات الأخرى. ستكون المؤسسة أقل حاجة للمناصب الإدارية وأكثر حاجة للمهام. لا يهم موقعك في الهيكل الإداري، إنما كيف تكمل فجوات المهام.. وسيتراجع دور الإداريين الذين مهمتهم التنسيق، مثل مديري العموم ومن دونهم. سيتركز الدور الإداري في تحديد التوجه الاستراتيجي، بما يقلل دور الإدارة التشغيلية. وعودا على سؤال كاوس، سيضعف دور المؤسسة التقليدي الذي من أجله قامت لخفض كلفة التنسيق بالتواصل المستمر. ستكون الفرق صغيرة، يتبع لها أنظمة تعمل بكفاءة عالية حسب محددات تصممها القيادة العليا. لكن بعد كل ذلك سيظهر وجه جديد من المؤسسات: أكثر مرونة وأكثر طواعية للسيطرة. سيكون لدى المؤسسة قدرة أعلى للتنفيذ لأنها قادرة على تنفيذ القرارات بكفاءة أكبر. هكذا تفشل استراتيجية قطع الرأس في تعطيل عمل المؤسسة، إنما يمكن لها أن تحدث تغييرا في تركيبة متخذي القرار على المستوى الاستراتيجي فحسب. المفارقة أن الذكاء الاصطناعي الذي أحيا استراتيجية قطع الرأس لقدرته على تحديد الأهداف بسرعة فائقة، وتنفيذها بدقة عالية، هو نفسه قادر على إضعاف أثر هذه الاستراتيجية بتحقيق ثبات تنفيذي لا يعطله غياب القيادة التنفيذية.