لم تكن أغاني العيد مجرد ألحان عابرة، بل كانت ذاكرة جمعية تُصاغ بصوت الفنان وتستقر في وجدان المجتمع. هكذا بدأت الحكاية، وهكذا يرويها حضور أعمال مثل «حياك يالعيد» للفنان راشد الماجد، التي تجاوزت حدود الخليج لتلامس مشاعر جمهور عربي واسع، وتعيد استحضار لحظات الفرح الأولى المرتبطة ببهجة العيد. في السعودية، ومع إشراقة صباح العيد، كانت الأغنية جزءًا من الطقس اليومي، تُعلن بداية الفرح وتؤسس لذاكرة لا تُمحى. ولعل «ومن العايدين ومن الفايزين» بصوت محمد عبده تمثل النموذج الأبرز لهذا الحضور، إذ تحولت إلى افتتاحية مألوفة في تلفزيونات الخليج، وعلامة ثابتة في وجدان أجيال متعاقبة. تعود جذور هذه الأغنية إلى مطلع السبعينات، حين التقط الشاعر إبراهيم خفاجي العبارة النجدية الأصيلة، وصاغ منها نصًا غنائيًا حمل روح المجتمع وبساطته، قبل أن يمنحها محمد عبده صوتًا رسّخها في الذاكرة منذ بثها عبر الإذاعة السعودية عام «1971». ومع تطور البث التلفزيوني، استعادت الأغنية حضورها بشكل أوسع، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من هوية العيد في السعودية والخليج. في تلك المرحلة، كان الفنان السعودي قريبًا من مجتمعه، يتفاعل مع مناسباته الدينية والاجتماعية، ويحرص على أن يكون حاضرًا في تفاصيلها. لم تكن الأغنية إنتاجًا فرديًا بقدر ما كانت انعكاسًا لروح جماعية، يتنافس فيها الفنانون لتقديم أعمال تلامس الناس وتبقى في ذاكرتهم. قبل ذلك، كانت الشاشات الخليجية تستعين بأغانٍ عربية مثل «ليلة العيد» لأم كلثوم و«أنوارك هلّت»، لكن صعود الأغنية السعودية في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات غيّر المشهد، لتتحول المناسبة إلى مساحة إبداع محلي. ظهرت أعمال مثل «فرحة فرحة» لعلي عبدالكريم، التي دخلت في منافسة مباشرة مع «ومن العايدين»، قبل أن يضيف طلال مداح بصمته الخاصة عبر «كل عام وأنتم بخير» بعد عودته من الاعتزال، لتتكرّس حالة فنية متكاملة ترتبط بالعيد. هذه الأغاني لم تكن مجرد إنتاج فني، بل أصبحت محفزًا للذاكرة، تستدعي تفاصيل الطفولة وأيام التلفزيون في أوج حضوره، حين كانت البرامج والأغاني تُنسج بعناية لتواكب المناسبة. ومع مرور الزمن، بقيت هذه الأعمال حاضرة، بينما تراجع اهتمام الجيل الجديد من الفنانين بإنتاج أغنيات خاصة بالعيد، واختفى ذلك التفاعل المباشر مع المجتمع، الذي كان في السابق مدعومًا أيضًا من الإذاعة والتلفزيون. ورغم محاولات حديثة لإحياء هذا الإرث، كما حدث خلال جائحة كورونا حين أعادت بعض القنوات تقديم هذه الأغاني بصيغ جديدة من داخل المنازل، وظهور أعمال مثل «عادت عليكم» لعبدالمجيد عبدالله، فإن التأثير ظل محدودًا. الذاكرة بقيت منحازة للأصوات التي شكلت بداياتها: طلال مداح، محمد عبده، علي عبدالكريم، ومن بعدهم راشد الماجد. اليوم، لا تزال هذه الأغاني تُبث عبر شاشات الخليج مع كل عيد، وكأنها طقس لا يكتمل بدونه. ومن خلالها، لم تعد الفرحة محلية فقط، بل امتدت إلى العالم العربي، في مشهد يعكس تحول الأغنية السعودية من متلقٍ إلى مصدر، بعدما كانت في السابق تستعير أجواء العيد من أغنيات عربية أخرى. هكذا، تظل أغاني العيد شاهدًا على مرحلة كان فيها الفن أكثر التصاقًا بالمجتمع، وأكثر قدرة على تحويل المناسبة إلى ذاكرة مشتركة، تُستعاد كل عام، مع أول تكبيرة، وأول لحن.