قبل ثلاثين يوماً فقط تزيّنت المنازل والشوارع وتوشّحت بالقناديل وأنوار الفرح استبشاراً بقدومك يا شهر الخير والبركات. كان قدوماً غيّر ملامح الزمن وتأنسنت بإطلالته ورؤية هلاله الجمادات لتحكي مشاعر فرح القدوم لأغلى الضيوف. لا يغيب عن المشهد في هذه اللحظة ما تناقلته بعض الصحف الإخبارية والقنوات التلفزيونية وما تداوله بعض صناع المحتوى من المؤثرين وأصحاب الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي لبعض ملامح الفرح والأجواء الرمضانية للمبتهجين بقدوم شهر رمضان في صور مختلفة جسّدتها الشوارع والطرقات بقناديلها الذهبية. فقد اكتست المنازل والشوارع والممرات في كثير من القرى والأحياء في المملكة العربية السعودية عقود لإضاءات مُبْهِجة ولمسات روحانية. تزينت بها الأمكنة بأطواق من نور ولحظات كتب لها أن تُخلّد في ذاكرة المكان والزمان. لتحكي بعض تفاصيل الفرح بقدوم ضيف نتوق لأيامه ونشتاق لياليه. رمضان موسم طال انتظاره لكثير من المُتْعبين والمقصرين ليكون باحة للطمأنينة والسكينة والعودة إلى الله في أحضان شهر كريم على جنباته فيض من الرحمات. بقدوم هذا الشهر استنارت الأرواح قبل المصابيح وها نحن نودِّع شهر الرحمة ونطفئ القناديل إلى لقاء آخر يا شهر رمضان. وانطفأت بوداع تلك الأيام المعدودات فوانيس وعقود من الضوء تدلّت كأنها نجوم انحدرت لتبارك اللحظة. لتضيء لنا الدروب بعد فراقه دعوات وابتهالات أودعناها رب كريم في أيامه المباركة ولياليه الفاضلة. وانطفأت قناديل شهر رمضان لِنُجدِّد العهد مع الله بعد فراقه ونعقد العزم على ريّ بذور خير نثرناها في شهر الرحمة ومواسم الخيرات. وانطفأت قناديل شهر رمضان بعد أن قضينا ثلاثين يوماً في رحاب بيوت الله نمدّ جسور القُرْب من الله بركعات وسجدات أملاً في المغفرة وإجابة الدعوات. وانطفأت قناديل شهر رمضان لتخبرنا بأن عقارب الزمن تدور وطاحونة الأيام تجري وأن الدنيا دار ممر لا دار قرار. ولن يبق لنا إلا ما أودعناه من عمل صالح في مواسم الخيرات طلبا لرضوان الله. مع رحيل رمضان ندرك يوماً بعد يوم أن القصة بكامل فصولها والأدوار التي نعيشها على مسرح الحياة سيكون لها لحظة انقطاع. وسيظل طيب الأثر وجميل ما أودعت ابتغاء مرضات الله طوق النجاة وقارب الأمان للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. ما أصعبها من لحظات وأنا أكتب هذه الكلمات في آخر أيام شهر رمضان لهذا العام 1447ه. مستشعراً قول الإمام ابن الجوزي في وصف سرعة رحيله إن شهر رمضان قد قرب رحيله وأزف تحويله وهو ذاهب عنكم بأفعالكم وقادم عليكم غداً بأعمالكم فياليت شعري. ماذا أودعتموه وبأي الأعمال ودَّعتموه؟ أتراه يرحل حامداً صنيعكم أو ذامَّاً تضييعكم اللهم كما بلغتنا شهرك المبارك ووفقتنا لصيامه وقيامه ومننت علينا ببلوغ العشر الأواخر فارزقنا تمامه وتقبله منّا واغفر لنا فيه ما قدّمنا وما أخّرنا. وما أسررنا وما أعلنا. وما أنت أعلم به منا أنت المُقدِّم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير.