تحت عنوان «The Mirage of a New Middle East» (وهم شرق أوسط جديد)، كتبت داليا داسا كاي، الباحثة البارزة في مركز UCLA Burkle ومؤلفة كتاب Enduring Hostility: The Making of America's Iran Policy، مقالاً في صحيفة Foreign Affairs بتاريخ 6 مارس 2026، تناقش فيه الحرب الأميركية الأخيرة على إيران، حيث ترى أن هذه الحرب لن تعيد تشكيل الشرق الأوسط بالطريقة التي تتخيلها واشنطن، بل قد تفضي إلى نتائج أشد اضطرابًا وخطورة على إيران والمنطقة والعالم. يرى المقال أن إدارة ترمب دخلت الحرب بدافع إظهار قدرة غير مسبوقة على فعل ما لم يفعله رؤساء أميركيون سابقون، أي اللجوء إلى الحسم العسكري بدل الدبلوماسية. لكن الرد الإيراني عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد إسرائيل وقواعد أميركية وأهداف في دول الجوار أظهر أن الصراع لم يبقَ محدودًا، بل تحول إلى حرب إقليمية ذات آثار عالمية تمس أسواق النفط والمال وسلاسل الإمداد والملاحة الجوية والبحرية. وتؤكد الكاتبة أن هذه التداعيات لم تكن مفاجئة، بل كانت متوقعة قبل اندلاع الحرب، وهو ما يفسر، في رأيها، إحجام إدارات أميركية سابقة عن سلوك هذا المسار شديد الخطورة. وتنتقد الكاتبة ما تعدّه افتراضات أميركية مفرطة في التفاؤل بشأن «اليوم التالي» للحرب. فالإدارة الأميركية، بحسب المقال، راهنت على أن إنهاك القيادة الإيرانية وتدمير قدراتها العسكرية سوف يضعف النظام إلى الحد الذي يسمح للشعب الإيراني بالتظاهر على الحكم. وحتى إن لم يحدث ذلك، فإن واشنطن افترضت أن إيران ستخرج من الحرب منزوعة الأنياب، منشغلة بأزماتها الداخلية، وغير قادرة على تهديد المنطقة أو المصالح الأميركية. ومن ثمّ، فإن إبعاد النظام الإيراني من المعادلة، في التصور الأميركي، سيفتح الباب أمام «شرق أوسط جديد» أكثر توافقًا مع الرؤية الأميركية. ولكن الكاتبة ترى عكس ذلك. فهي ترى أن النتائج المرجحة للحرب ستكون أدنى بكثير من هذه التوقعات الوردية، بل ربما يكون المشهد بعد توقف القصف أسوأ من السابق. فبدلًا من ولادة نظام موالٍ للولايات المتحدة، قد ينشأ فراغ سلطة في طهران. وتشدد الكاتبة كذلك على أن إسقاط نظام معادٍ للولايات المتحدة لا يعني تلقائيًا إمكانية بناء بديل موالٍ لها من خلال القوة العسكرية. وتستدعي هنا دروسًا مألوفة من التاريخ الأميركي في المنطقة، حيث كثيرًا ما بالغت واشنطن في تقدير قدرة الضربات العسكرية على إنتاج تحول سياسي داخلي مستقر. فإيران، في هذا السياق، ليست ساحة سهلة لإعادة الهندسة السياسية، لا من حيث البنية الداخلية المعقدة للنظام، ولا من حيث غياب بديل جاهز يمكن أن يخدم الرؤية الأميركية. بل إن الحرب قد تعزز النزعات القومية والالتفاف الداخلي بدل أن تفجر انتفاضة حاسمة ضد النظام. وينتهي المقال إلى دعوة واضحة: كلما طال أمد الحرب، تضاعفت أخطار «اليوم التالي»، ولذلك ينبغي على الكونغرس الأميركي وحلفاء واشنطن الضغط من أجل وقف إطلاق النار فورًا، بوصفه الخيار الوحيد القادر على الحد من الخسائر السياسية والاستراتيجية والإنسانية. إن هذا المقال قد يفسر لنا حرص المملكة على حل الخلافات سلمياً مع إيران، وعدم رغبتها في هذه الحرب، ورفض الانجرار إليها سواء بالمشاركة أو بالسماح باستخدام الأراضي السعودية على الرغم من العدوان الإيراني السافر والغاشم على السعودية وبقية دول الخليج. فالمدرسة السياسية السعودية الرصينة هي خير من يقدر ليس فقط خطورة الحرب، بل خطورة ما بعدها. حفظ الله المملكة قيادةً وشعباً.