كل عقدة يكون لها حل، والأكيد أن الحل يكمن في الجوهر الذي كوّن هذه العقدة والذي هو مسؤول عن بقائها واستعادتها كل ما كانت الظروف مهيأة لذلك.. لا أتصور أن الحلول المؤقتة يمكن أن تفكك هذه العقدة، لابد من التفكير في حلول بعيدة المدى تجعل شعوب المنطقة جميعها تعي قيمة العمل التنموي المشترك.. هل يمكن أن نقول إن هناك ما يسمى بعقدة الشرق الأوسط، أو المنطقة التي تتوسط العالم وتجمع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، فهذه المنطقة لا تهدأ أبدا، وهذا الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل هي ظاهرة تاريخية بامتياز، وربما يصعب حلحلتها في المستقبل المنظور كون العقدة التي تتشكل في الوقت الراهن، هي جزء من سلسلة من العقد التي تشكلت في الماضي حتى بلغت مبلغا يصعب معها إيجاد حلول يمكن الاطمئنان لها. يبدو للوهلة الأولى أن جميع دول المنطقة متباينة في وجهات النظر، وشعوب المنطقة، رغم كل ما يربطها من تاريخ ومعتقد ولغة، في جزء كبير منها، إلا أنها لا تزال مشتتة ولا تجتمع على هدف واحد أو حتى مجموعة أهداف متقاربة. لذلك لم تكن الحرب التي نعيشها حاليا مفاجأة، فالكل ربما كانوا يتوقعوها منذ أكثر من أربعين سنة لأن كل الطرق كانت تؤدي إلى الحرب وكان "لابد من الحرب ولو طال الزمن". البعض يقول إن هناك أطرافا تريد تغييب العقل بشكل مُتعمّد، لأنها كانت تسعى إلى الحرب التي تعني "إعادة التشكيل" و"بناء المنظومات الجديدة" على أنقاض القديمة، وبمجرد إطلاق مصطلح "شرق أوسط جديد" قبل عدة سنوات، كان هذا يعني أنه لابد أن يحدث حدثا كبيرا يغير المنطقة جذريا، وليس فقط تغييرا ظاهريا سرعان ما يعود إلى البنية العقلية التي كانت توجهه في الماضي. لن أقول من المستفيد من الحرب القائمة بين إيران والولايات المتحدة والعدو الصهيوني، لكن الأكيد هو أن المملكة ودول الخليج كانت رافضة لهذه الحرب، لأنها دول تعي تبعات الحرب وتبعات الجغرافيا، دون شك أننا نتمنى أن إيران تتحول إلى دولة تعنى بالتنمية بدلا من التسلّح، ونعرف أن إيران ليست الدولة التي يمكن أن نأمن غدرها، لكن هذا لا يعني أن ندخل معها في حرب، فهي دولة جارة ولا نستطيع تغيير الجغرافيا، ودول الخليج لديها خطط تنموية بعيدة المدى وتهتم بأمن شعوبها وسلامتهم ورفاهيتهم، ولديها الكثير الذي تخسره ولا تفكر أبدا في أن تقدم على خطوات يجعلها تخسر مكتسباتها. هنا يظهر الفرق بين "العقل" و"العاطفة"، خصوصا في السياسة والقرارات المصيرية، فالأصوات التي تعلو في وسائل التواصل الاجتماعية لتحريض دول الخليج للرد على الاعتداءات الإيرانية المتكررة، هي أصوات عاطفية، لا تقدم ولا تؤخر، وسياسة النفس الطويل وحساب الأرباح والخسائر التي اتبعتها دول الخليج يدل على بعد نظر ونضج سياسي واستراتيجي. العاطفة في السياسة هي مجرد "عنتريات فارغة" لا تحسب حسابا للواقع وللخسائر المتوقعة مقابل المكاسب التي هي في الحقيقة لن تكون مكاسب، بل ستزيد من تعقيد في هذه المنطقة المشتعلة من العالم. في الواقع لو دخلت دول الخليج الحرب سيكون المستفيد الأكبر هو الكيان الصهيوني ولن يزيد إيران خرابا على الخراب الذي تعيشه بشكل فادح هذه الأيام. من يرى الشرق الأوسط من الخارج سوف يطرح العديد من الأسئلة حول ماذا تريد دول هذه المنطقة على وجه التحديد، بعض الدول تسعى للتنمية وبعضها يغط في سبات عميق والبعض الآخر لديه أحلام توسعية، هذا التنافر الواضح حتى على مستوى العقليات والعقائد والتشابكات التاريخية التي لا يريد أبناء المنطقة تجاوزها، تزيد من عقد هذه المنطقة التي لا تهدأ أبدا. المسألة هنا ليست حدثا عابرا أو حربا عابرة، بل هي سلسلة متصلة من الأحداث المربكة التي يصعب القول إنها ستتوقف في المستقبل. كنت أقول لأبنائي أنني منذ أن بدأت أعي الحياة وأنا أعيش أحداثا مربكة سببها "عقدة الشرق الأوسط" فمنذ عام 1973م بدأت الحكاية وكنت في سن السادسة مرورا باتفاقية كامب ديفيد واقتحام الحرم وصعود الخميني وبداية الحرب العراقيةالإيرانية، وكلها أحداث حدثت في بضع سنوات حتى حرب تحرير الكويت في مطلع التسعينات من القرن الماضي وقد بلغت سن الشباب وللتو تخرجت من الجامعة وبدأت حياتي الأكاديمية، حتى بلغنا أحداث 11 سبتمبر وصولا لاحتلال العراق 2003م ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم والمنطقة تتنازعها احداث لا تتوقف حتى احداث 7 أكتوبر وأزمة غزة حتى الحرب التي نعيشها الآن. لا يمكن أن نقول إن هذه الاحداث طبيعية ويمكن استيعابها على أنها أمر يحدث في كل مكان على سطح الكرة الأرضية، بل إن ما يحدث في هذه المنطقة كان استثنائيا. من الواضح أن هناك محركا جوهريا كامنا في البنية العقلية والثقافية لشعوب هذه المنطقة يدفعهم إلى الاختلاف أكثر من الاتفاق وإلى الحرب أكثر من السلام. كل عقدة يكون لها حل، والأكيد أن الحل يكمن في الجوهر الذي كوّن هذه العقدة الذي هو مسؤول عن بقائها واستعادتها كل ما كانت الظروف مهيأة لذلك.. لا أتصور أن الحلول المؤقتة يمكن أن تفكك هذه العقدة، لابد من التفكير في حلول بعيدة المدى تجعل شعوب المنطقة جميعها تعي قيمة العمل التنموي المشترك. المسألة مرتبطة بإيجاد ما يجعل الجميع يشعر أن هناك شيئا يمكن أن يخسره في حال وجود الخلافات والفوضى. العمل المشترك غالبا ما يكون مبنيا على التنازلات من كل الأطراف، خصوصا الأطراف القوية من أجل دعم الأطراف الأضعف. هذا ما حدث في الاتحاد الأوروبي، ففكرة الاتحاد تقوم على "المصلحة" لكن الأقوياء في الاتحاد غالبا يكونون مستعدين للتنازل من أجل الارتقاء بالأضعف منهم. حتى يتحقق هذا، ربما يحتاج الأمر إلى تحرير العقل من كثير من "العنتريات" و"الثارات التاريخية" المتوارثة التي تسود الشرق الأوسط، ولكن أمام هذا الحلم أمامنا سنوات طويلة من بناء الوعي الذي صار يتدهور في الفترة الأخيرة سريعا مع هذه الملاسنات والمشاحنات اليومية عبر الشبكة العنكبوتية.