استخدام الطقوس في المسرح يعود إلى ذلك البعد السحري الذي نلاحظه في فنون المسرح القديم.. وكأنهم أدركوا مدى تأثير تلك الطقوس العقدية في نفوس الناس، حين تطعن الحضارة الواحدة في السن تتعرض قيمها الأساسية لخطر فقدان أثرها، ويأخذ التشكيك بتقويض البنيان الروحي الذي يحتوي تلك الحضارة، فجعلوا يذكون جذوة الحضارة الطاعنة بتلك الطقوس.. لم يعد للفن خلاص من اقترانه بالعقيدة، فمنذ شهقته الأولى حين كان إنسان الكهف يرسم رسومه السحرية على جدران الكهوف ظنا منه أنها تسهل له السيطرة على صيده، حتى ظهور المدرسة الواقعية السحرية في أواخر القرن العشرين فسيطرت على وجدان متلقيها ولا تزال. ولم نكن نعلم لماذا هذه السيطرة الوجدانية على لب المشاهد إذا ما اكتنف العمل بعضا من الطقوس المرتبطة بالعقائد، حتى تمخض بحثنا (نظرية البعد الخامس) عن مدى قدرة التسرب الانفعالي إلى الوجدان واعتمال كيمياء المخ البشري فيما يسمى (الإميجدالي)، وهو فص في مقدمة الدماغ يستقبل مادته عبر الحواس الخمس ثم يصب في تلك الغلالات العصبية المحيطة بالأميجدالي لتعمل على تقلب العاطفة بين اللذة والكدر! وإذا ما استخدمناه في العمل المسرحي جعلنا نتقلب بين التراجيديا أو الكوميديا، وذلك بحسب رصد دقيق فيما تفعله الدراما في تقلب الوجدان حتى تجبره في آخر المطاف على اتخاذ القرار. وهنا تكمن خطورة المسرح. ولذا وجدنا أن الفنون وخاصة فن المسرح الذي اتكأت على العقائد منذ نشأته دون أن ندرك لماذا هذا؟ فقد خلفت لنا الحضارة المصرية القديمة بعض الآثار التي تدلنا على اقتران الفن بالعقيدة، فتلك الأقداح الفخارية التي نقش عليها ملوك المملكة الوسطى أسماء القبائل المعادية لهم في فلسطين وليبيا والنوبة وأسماء حكامها وأسماء بعض المتمردين المصريين، كانت هذه الأقداح تحطم في احتفال شبه مسرحي مهيب! والغرض من هذا الطقس السيطرة على هؤلاء الأعداء، فاستخدام الطقوس في المسرح يعود إلى ذلك البعد السحري الذي نلاحظه في فنون المسرح القديم.. وكأنهم قد أدركوا مدى تأثير تلك الطقوس العقدية في نفوس الناس، حين تطعن الحضارة الواحدة في السن تتعرض قيمها الأساسية لخطر فقدان أثرها في نفوس الأفراد ويأخذ التشكيك واللامبالاة بتقويض البنيان الروحي الذي يحتوي تلك الحضارة فجعلوا يذكون جذوة الحضارة الطاعنة بتلك الطقوس! وكما اهتم الفن الفرعوني بالأساطير، قامت الفنون اليونانية على هذه الأساطير فنمت حول أسطورة (ديونزيوس) أولى المحاولات في المسرح اليوناني من خلال تلك الاحتفالات الطقسية لمحاكاة ما حدث في العالم الأسطوري، أي الحالة الانفعالية التي يصاحبها وعي مسبق من العامة بما حدث لهذا، وهو فارق جوهري بين فن المسرح الفرعوني وبين هذا المسرح اليوناني وهي فكرة الوعي المسبق ثم التواصل عبر حالة مزاجية تحدث بما يسمى بنظرية التفاعل حتى اكتمل المسرح في بلاد اليونان لأنه فضلاً عن وجود الشعيرة، وجدت لديهم مادة أسطورية متكاملة في فن عظيم وهو فن الملحمة. ذلك لأن الملحمة حوت مجموعة الأساطير التي تناقلتها الأجيال حتى صاغها هوميروس في الإلياذة والأوديسة كمادة خصبة لكتاب المسرح آنذاك، فقدموا فناً متكاملاً إذا قيس بمصر القديمة، تلك الآثار التي تجمع فنون الأمم بين طياتها، وإن تبدو متباينة في مبناها متجانسة في معناها هذا لأن الفنون جميعها تنبع من مصدر واحد وهو الشعور الإنساني المضطرم في النفس، وتستهدف كلها شيئاً واحداً هو نقل هذا الشعور نفسه إلى نفس الآخرين حتى يخرج الفرد عن نطاق ذاته إلى رحاب الآخرين وينفلت من فرديته ليذوب في الجماعة المحيطة به، وهو الإحساس الذي يحقق التوازن الحقيقي في نفس البشرية، على أن الفنون كلها تنزع إلى التوحد معاً. فما نراه في الاحتفالات الإغريقية القديمة والتمثيليات الهزلية اليونانية، ما هو إلا دعوة جماعية للوحدة في هم واحد. وكان الهدف من هذه التمثيليات الطقسية هو إزالة الشر والتخلص من الأذى وإبعاده عن المجتمع حتى يظل المجتمع سليماً ومتماسكا. وفي المسرح الهندي نجده قد نشأ بين الآلهة وقد أشرف براهما نفسه على إخراج أول عرض مسرحي. أي أن التمثيل لدى الهند بدأ من عقيدتهم، ثم انتقل للبشر في محاولتهم لمحاكاة على يد الحكيم (بهراتا) الذي وضع مصنفاً ضخماً يسمى (بهراتا ناتيا ساسترا) أي قوانين بهراتا في الرقص والدراما. ويقال إن براهما أفضى بكل أسرار الفنون الدرامية بجميع أشكالها إلى الحكيم بهراتا الذي ساهم كتابه في نشأة المسرح الهندي، وغلبت عليه العقيدة وخاصة باللغة السنسكريتية. ولا ريب أن المسرح الياباني قد تطور في خطوط تختلف عن خطوط المسرح الهندي بيد أن مبادئ الاستاطيقا الهندية كان لها على المسرح الياباني تأثير حي فعال ولم تزل بعض الرقصات والحركات المنقولة من الهند تمارس حتى اليوم في اليابان مثل رقصة (وجاكو) على الرغم من أنها أصبحت في الهند منسية ومجهولة، وفي أقدم رقصات النو كرقصة أوكنيا لم تزل بعض العبارات يترنم بها بلهجة سنسكريتية. وفي العصور المظلمة في أوروبا لم يختف المسرح اختفاءً كلياً بل انتشرت فرق الفن المسرحي لتقدم عروضها في الشوارع وفي الأماكن المفتوحة، وفي حوالي القرن الثاني عشر يعود على يد الراهبة روزيتا عندما قدمت مجموعة من التمثيليات المريمات الثلاثة ليكن المسرح لخدمة الدين في عدة مسرحيات منها تمثيلية آدم وتمثيليات الأسرار وهي كلها استخُدمت لتقريب الدين للناس، ثم يخرج المسرح مرة أخرى لخدمة القضايا الاجتماعية والسياسية، حتى المسرح الحديث.. ومن هنا نجد أن التسرب الانفعالي المحفز على اتخاذ القرار هو ذلك البعد السحري في الفنون والمسرح.