ليست مشكلة بعض الكتب في فقر الفكرة، ولا في ضعف التجربة، بل في غياب عينٍ ثانية ترى ما لا يراه الكاتب في لحظة انفعاله الأولى. المسودة لدينا تُعامل أحيانًا كأنها نص نهائي، وكأن القلم إذا توقف عن الكتابة انتهت مهمته، مع أن الكتابة الحقيقية تبدأ بعد ذلك؛ تبدأ في الحذف، في إعادة النظر، في كسر الجملة وإعادة بنائها. في المشهد الأدبي، لا يزال التحرير يُفهم بوصفه انتقاصًا لا تطويرًا. الكاتب المبتدئ، المندفع بحماسه، يرى في نصه امتدادًا مباشرًا لذاته، حين يُقترح عليه تعديل عبارة أو حذف فقرة، يشعر أن النقد موجه لشخصه لا لعمله، يتعامل مع الملاحظة كطعنة، ومع التصحيح كتشكيك في موهبته. بينما الحقيقة أن النص الذي لا يمرّ على نار المراجعة يبقى خامًا، مهما كانت فكرته لامعة. والمفارقة أن الأزمة لا تتوقف عند البدايات فقط، بعض الأسماء المعروفة تقع في الفخ ذاته، لكن بصورة مختلفة، الشهرة تتحول أحيانًا إلى حصانة غير معلنة، والاسم يصبح درعًا يصدّ أي ملاحظة، اقتراح تعديل كلمة يُقرأ كتقليل من القيمة، وإعادة ترتيب فقرة تُفهم كتجاوز للصلاحيات. كأن التجربة الطويلة تعفي النص من قابلية الخطأ، مع أن اللغة لا تعترف بالأسماء، والخطأ لا يختفي احترامًا للتاريخ، النص، في النهاية، كائن مستقل عن صاحبه، لا ينضج بمجرد التوقيع عليه، ولا يكتسب الكمال بانتشاره. ما يجعله أقوى هو تلك الشجاعة التي تسمح بإعادة النظر فيه، وبالاعتراف أن الجملة يمكن أن تكون أجمل، وأن الفكرة يمكن أن تُقال بوضوح أكبر. ولا تقف الإشكالية عند حدود الكاتب بل إن بعض دور النشر تضع في عقودها بند المراجعة والتصحيح والتدقيق، لكن التنفيذ يأتي أقرب إلى الإجراء الشكلي. يصدر الكتاب وتبقى الأخطاء الطباعية أو اللغوية، وحين يُشار إليها يُقابل الأمر بشيء من التبرم، كأن الإشارة للخلل إساءة، لا حرص، كأن المؤسسة منزهة عن السهو، مع أن العمل الثقافي، بطبيعته، مشروع جماعي يحتمل الخطأ ويحتاج إلى تصحيحه. الكتاب ليس منشورًا عابرًا يُمكن تعديله بضغطة زر، بل وثيقة تبقى في يد القارئ سنوات، والخطأ فيه لا يُحسب على فرد، بل على منظومة كاملة، وحين تتعامل دور النشر مع المراجعة بوصفها عبئًا، فهي لا تسيء إلى الكاتب فحسب، بل إلى القارئ أيضًا. المشكلة في جوهرها ليست لغوية ولا تقنية، بل نفسية، هناك خوف خفي من الممحاة، ومن فكرة أن النص قابل للتحسين، نحن نحمي الأنا أكثر مما نحمي العمل، نغضب من التصحيح، لكننا لا نغضب من الخطأ نفسه. التحرير ليس طعنًا في الموهبة، بل اعتراف بأن النص أكبر من صاحبه، وأن القارئ يستحق نسخة أكثر نقاءً وصدقًا، الكاتب الذي يتصالح مع فكرة الحذف، يتقدم خطوة في نضجه، والمؤسسة التي تعترف بخللها، تعزز مصداقيتها. ربما آن الأوان أن نتعامل مع المراجعة بوصفها فضيلة لا تهديدًا، وأن نعيد الاعتبار لفكرة بسيطة: النص الجيد لا يخاف من عينٍ أخرى، بل يحتاجها.