دخلت أوفر الأمم حضارة، وأرقاها نظاماً عصرها التاريخي في وقت مبكر إذا استطاعت أن تسجل أخبارها، وتدون آثارها للأجيال المقبلة. وينبغي أن نعلم أن العصر التاريخي لأمة لا يعتبر خطاً فاصلاً بين بدائيتها وحضارتها، وليس له علاقة بكمال إنسانيتها أو بقائها على همجية معتادة. المغلوب حياً، وليس «شايلوك» تاجر البندقية نموذجاً خرافياً، ولكن «روما» سنت حقوقاً مطلقة للدائن إذا عجز المدين عن السداد، وكان بوسعه أن يقطع من جسد المدين ما شاء. ولقد بقي طابع الوحشية في هذه الأمم، وتركزت في قتالها حتى بات مقرراً لصاحب الغلبة أن يفعل بالمغلوب ما شاء، فله أن يهدم أركان بلاده، وأن يحطم أوثان دينه. وقد مضى قديماً عصر حمورابي الذي كانت فيه بابل العاصمة الدينية، ثم زالت سلطتها، وانتعشت آشور ففعلت الدور نفسه واستقبلت يوماً آلهة بابل أسيرة وأصبحت آشور العاصمة الدينية. ولو اقتضى الأمر أن يحجر على تصرفاتهم أو تراقب أعمالهم بأيدي كهنة من قبل المستعمر في الوقت الذي تختفي فيه رسمياً شعائر الآلهة الأصلية، لا يملك أفراد الشعب إلا أن ينفروا نفاراً سلبياً دون بذل أدنى جهد لتغييرها. ويؤخذ من هذا كله أنه لا يمكن أن يقال: إن صياماً -بعينه- له كذا وكذا من الصفات هو صيام ابتدعه المصريون مثلاً، إذ يعسر جداً رد أنواع الصيام إلى جذورها. فإذا قلنا -مثلاً- إن صيام الصابئة ثلاثين يوماً، فليس يعني هذا أن صيام الثلاثين وقف عليهم، كما لا يعني أنهم وحدهم أصحاب الثلاثين الذين فطروه فأوجدوه على غير مثال، فالبقعة الواحدة في زمان واحد تمتع بجمع أكثر من جنس، واستوعبت أكثر من صيام. الصيام من البداية حتى الإسلام - د. علي الخَطيب - المكتبة العصرية*