لا شك أن قضية الفن من القضايا التي شغلت الخلق على مساحة الأرض، وعبر التاريخ، مرورا بكل الحضارات القديمة والحديثة، ولا شك أيضا أن هناك علاقة وثيقة بين الفنون والأديان على اختلافها، وقد عرف بعض الفلاسفة الفن بأنه: «تعبير مادي لفكرة دينية في الإنسان أو بواسطة الإنسان»، ثم انتقل نشاط كافة الفنون إلى أغراض حضارية متنوعة تخدم مناحي الحياة كافة. وترى نظرية «اميل دوركايم» في الدين نظاما اجتماعيا يعد هو الأصل في نشأة الفنون جميعا، فالدين كان عاملا مهما في تشكيل حياة الإنسان البدائي، إذ أن رجال الدين والسحرة عند البدائيين هم الذين كانوا يسيطرون على كافة مفاصل الحياة العامة، ويتصدرون حفلات الأعياد والمراسم الدينية والزواج واجتماعيات الصلح والسلام وحشود الحرب أيضا، كما كان العنصر الفني يظهر بوضوح في مشاهد الرقص الديني البدائي، ونغمات الموسيقى الجنائزية وهي طقوس دينية وصور وتماثيل العالم الآخر، كذلك الأرواح الشريرة، حيث كانت كل هذه الطقوس مصاحبة لمظاهر فنية كالموسيقى والنحت والعمارة والرسم. وكانت هناك بصمات تختلف من حضارة إلى أخرى عبر التاريخ، بحيث يمكن تمييز هذه البصمات من شعب إلى شعب، ومن دين إلى دين، ومن عصر إلى عصر، فهناك عصور ما قبل التاريخ، ثم ما تلاها، وخلالها كان الفن في خدمة ديانات الشرق القديم في بابل وآشور وغيرهما، ثم جاء الدين اليهودي، فعمل على الحيلولة بين الإنسان والفن حتى يبعده عن عبادة الأوثان، حيث ورد في التوراة (الإصحاح العشرين من سفر الخروج) ما نصه: «لا يكن لله آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما». ثم تلاه الدين المسيحي، وكما فعل الدين اليهودي، فعل الدين المسيحي، لكن بشيء من المرونة وفي شكل أقل حدة، فورد في إنجيل متّى في الإصحاح السادس: «لا يقدر أحد أن يخدم سيدين»، وذلك في إشارة إلى تحريم التصوير والنحت والتماثيل. وتغير الحال بعد اعتناق الرومان للمسيحية. أما الدين الإسلامي، وموقفه من الفنون والتذوق الجمالي، فلذلك تفصيل آخر.