لا يبدأ التدخين دائمًا بدافع المتعة، ولا ينتهي التعاطي عند حدود التجربة، في كثير من الحالات، تكون السيجارة أو المادة المخدّرة مجرد لغة بديلة، تحاول النفس من خلالها أن تقول ما عجز اللسان عن قوله، من قلق مكبوت، ضغط مزمن، شعور بالفراغ، أو هروب صامت من واقع مثقل بالتوقعات والإخفاقات، من واقع العمل في مجال الإرشاد والتوجيه والعلاج النفسي، تتكرر الصورة ذاتها بأشكال مختلفة، من إنسان لا يبحث عن النيكوتين بقدر ما يبحث عن السكون، ولا ينجذب للمادة بحد ذاتها، بل لما تمنحه مؤقتًا من تخفيف للألم أو تشتيت للفكر، هنا يصبح من الخطأ اختزال التدخين والتعاطي في كونهما مجرد سلوك خاطئ، إن العلاج النفسي لا يتعامل مع السيجارة بوصفها عدوًا، بل مع الدافع الذي جعلها ضرورة، لعل الكثير يسأل!؟ لماذا يحتاجها هذا الشخص؟ ما الذي يشعر به قبلها؟ وماذا يحاول أن يتجنبه أو يسكته؟ هذه الأسئلة هي نقطة التحول الحقيقية في رحلة التعافي، في الجلسات العلاجية، يتضح أن كثيرًا من المدخنين أو المتعاطين يفتقرون إلى مهارات التعامل مع الضغوط، أو يعانون من أفكار سلبية متجذرة حول ذواتهم وقيمتهم، إن البعض يعيش صراعًا داخليًا بين صورة مثالية مفروضة عليه، وواقع لا يستطيع مجاراته، وآخرون يرزحون تحت قلق مستمر أو اكتئاب غير مُشخّص، فيلجؤون إلى حلول سريعة لا تعالج أصل المشكلة، إن العلاج النفسي هنا لا يقوم على التخويف من العواقب، ولا على الوعظ الأخلاقي، بل على إعادة بناء العلاقة مع الذات، عندما يتعلم المسترشد كيف يراقب أفكاره ويفهم مشاعره، ويميّز بين الرغبة العابرة والحاجة الحقيقية، عندها يتعلم أن التوتر لا يُدار بالهروب، وأن الألم يمكن مواجهته بوسائل أكثر أمانًا وفاعلية، أما في حالات التعاطي، فالتدخل النفسي يصبح أكثر حساسية وتعقيدًا، فالمتعاطي لا يحتاج فقط إلى التوقف، بل إلى استعادة ثقته بنفسه، وإعادة تنظيم حياته، وبناء معنى جديد يدفعه للاستمرار، إن العلاج النفسي يساعده على فهم محفزات الانتكاس، وتطوير بدائل سلوكية، وبناء شبكة دعم تحميه في لحظات الضعف، ومن الأخطاء الشائعة اجتماعيًا النظر إلى المدخن أو المتعاطي بنظرة لوم أو إقصاء، إن هذه النظرة لا تُصلح، بل تعمّق العزلة، وتدفع الشخص إلى مزيد من الإنكار، بينما أثبتت التجارب أن الاحتواء، والإنصات، والتدخل العلاجي المبكر، تصنع فارقًا حقيقيًا ومستدامًا، إن الإرشاد النفسي ليس ترفًا، بل ضرورة صحية واجتماعية، هو خط الدفاع الأول قبل أن تتحول العادة إلى إدمان، وقبل أن يصبح السلوك نمط حياة يصعب كسره، وهو كذلك جسر العودة لمن تعثر، رسالتنا كمختصين، وكمجتمع، أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نُعالج قبل أن تتفاقم المشكلة والصحة، فخلف كل سيجارة قصة، وخلف كل متعاطٍ إنسان، وإذا أُعطيت النفس ما تحتاجه من فهم وعلاج، فإنها قادرة على التعافي مهما طال الطريق. د. عياش بن عبدالله العنزي