لم يعد التصميم البصري في المشاريع الثقافية الكبرى مجرد أداة للتعريف بالحدث، بل أصبح جزءًا من بنية الفكرة نفسها. فالهوية اليوم لم تعد واجهة، بل خطابًا، ولم يعد الشعار علامة، بل سردًا بصريًا يسبق التجربة ويهيئ لها. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الهوية الجديدة لمهرجان ليالي كفو بوصفها مثالًا واضحًا على ما يمكن تسميته في الفكر التصميمي المعاصر ب هندسة المعنى. وهندسة المعنى لا تعني تحسين شكل التصميم أو زيادة جماليته، بل تعني بناء الرسالة داخل التكوين البصري ذاته. إنها انتقال من تصميم العناصر إلى تصميم الدلالة، ومن صناعة صورة إلى صناعة فهم. ففي هذا النوع من التفكير التصميمي، لا يُسأل المصمم كيف يبدو الشعار، بل ماذا يقول، وما الذي يجعله قادرًا على تمثيل فكرة المشروع قبل أن يبدأ. هذا التحول هو ما يميز الهوية الجديدة لليالي كفو. فالهوية لم تُبنَ على استحضار رموز رمضانية تقليدية أو استدعاء عناصر تراثية بوصفها زخرفة، بل على محاولة ترجمة الفكرة المجتمعية للمهرجان إلى نظام بصري قابل للقراءة. فليالي كفو ليس فعالية ترفيهية منفصلة، بل مشروع اجتماعي يجمع المعرفة، والمبادرات المجتمعية، والأنشطة العائلية، ومساحات الابتكار في تجربة واحدة. ومن هنا جاءت الهوية لتعكس فكرة "الاجتماع حول المعنى" قبل الاجتماع حول المكان. في هذا السياق، يصبح التصميم وسيلة لتنظيم الفكرة لا لتجميلها. فتنوع الوحدات البصرية داخل الهوية يمكن قراءته كترجمة بصرية لتعدد الفعاليات، وتوازنها داخل التكوين يعكس فكرة التكامل بين المعرفة والترفيه والمجتمع. كذلك فإن بناء الهوية على إيقاع بصري هادئ ومتوازن يمنحها قدرة على تمثيل الطابع الرمضاني بوصفه زمنًا للتلاقي الاجتماعي، لا مجرد موسم احتفالي. وهنا يظهر جوهر هندسة المعنى: أن يحمل التصميم الرسالة دون أن يشرحها، وأن يختصر الفكرة دون أن يسردها، وأن يجعل الجمهور يشعر بما يريد الحدث قوله قبل أن يسمعه. هذا النوع من التفكير البصري يرتبط مباشرة بالقيم المجتمعية التي يقوم عليها المهرجان. فحين يكون الهدف تعزيز العلاقة بين المؤسسة الأكاديمية والمجتمع، وإيجاد فضاء يجتمع فيه الترفيه بالمعرفة، يصبح من الضروري أن تعكس الهوية هذا التوازن. ولهذا تبدو الهوية أقرب إلى نظام بصري مفتوح، قادر على احتواء التنوع، وعلى تمثيل المجتمع بوصفه محور التجربة. كما أن اعتماد الهوية على تدرجات لونية تجمع بين العمق والبهجة لا يأتي بوصفه اختيارًا جماليًا فقط، بل بوصفه محاولة لالتقاط المزاج الاجتماعي لرمضان، حيث يمتزج السكون بالحيوية، والتأمل بالاحتفال، والخصوصية العائلية بالفضاء العام. وهنا تتحول الألوان إلى لغة شعورية، لا إلى عناصر زخرفية. إن القيمة الحقيقية لأي هوية بصرية لا تكمن في تميز شكلها فقط، بل في قدرتها على خلق علاقة ذهنية بين الجمهور والحدث. فالهوية الناجحة لا تقول للناس ما هو الحدث، بل تجعلهم يفهمون لماذا وُجد. وفي حالة ليالي كفو، يبدو أن التصميم سعى إلى تحقيق هذا الهدف، عبر تحويل الهوية إلى بنية دلالية تعبّر عن فكرة الاجتماع المجتمعي، وعن حضور المعرفة داخل الفضاء الاحتفالي. لهذا يمكن القول: إن الهوية الجديدة لا تقدم المهرجان كفعالية تُزار، بل كفكرة تُفهم. فهي لا تركز على تعريف المكان أو الزمان بقدر ما تركز على تعريف التجربة نفسها. وهذا هو جوهر هندسة المعنى: أن يصبح التصميم وسيلة لقراءة المشروع، لا مجرد علامة له. في زمن أصبحت فيه الهويات البصرية تتشابه في أشكالها، يبقى الفرق الحقيقي في قدرتها على حمل الفكرة التي صُممت لأجلها. فالهوية التي تُبنى على هندسة المعنى لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل تسعى لأن تكون صادقة، قادرة على تمثيل مشروعها، ومؤهلة لأن تعيش في ذاكرة الناس بعد انتهاء الحدث. م . محمود عبدالرحمن