لم تعد التنمية مفهومًا تقنيًا يُقاس بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية فقط، بل أصبحت عملية إنسانية شاملة تتطلب حضور المجتمع بوصفه شريكًا فاعلًا في التخطيط والتنفيذ والتقويم. فالتنمية التي تُصنع بمعزل عن المجتمع، أو تُقدَّم له بوصفها منحة أو خدمة جاهزة، تظل قاصرة الأثر ومحدودة الاستدامة، مهما بلغت كلفتها أو اتسعت برامجها، ومن هنا تتضح أهمية الانتقال من مفهوم «المتلقي» إلى «الشريك»، حيث يكون الإنسان محور التنمية وغايتها في آن واحد. لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تشارك في صياغة أولوياتها التنموية تكون أكثر قدرة على حماية مكتسباتها وتعزيزها. فحين يشعر الفرد أن له دورًا في صناعة القرار، وأن صوته مسموع، يتحول من مراقب سلبي إلى عنصر مبادر ومسؤول. المشاركة المجتمعية لا تعني فقط الحضور الرمزي أو إبداء الرأي، بل تمتد لتشمل العمل التطوعي، والمبادرات الأهلية، والمساءلة الواعية، والتكامل بين القطاعين الحكومي وغير الربحي والقطاع الخاص، بما يحقق تنمية متوازنة ومستدامة. وفي هذا السياق، يبرز رأس المال الاجتماعي بوصفه أحد أهم مرتكزات التنمية الحديثة، فالثقة المتبادلة، وروح التعاون، والشعور بالمسؤولية الجماعية، كلها عناصر غير ملموسة، لكنها تصنع فارقًا حقيقيًا في نجاح المشاريع التنموية، المجتمعات التي تتسم بتماسكها الداخلي وقدرتها على العمل المشترك، تكون أقل عرضة للهدر التنموي وأكثر قدرة على تجاوز الأزمات والتحديات، لأن أفرادها ينطلقون من قناعة راسخة بأن التنمية مسؤولية مشتركة لا عبء تتحمله جهة واحدة. كما أن إشراك المجتمع يسهم في توجيه التنمية نحو الاحتياجات الحقيقية، بعيدًا عن الافتراضات النظرية أو الحلول الجاهزة، فالمواطن هو الأدرى بتفاصيل واقعه، والأقرب إلى مشكلاته اليومية، والأقدر على تقديم رؤى عملية قابلة للتطبيق. وعندما تُبنى السياسات والبرامج على هذا الفهم العميق، تصبح أكثر واقعية وأعلى كفاءة، وتحقق أثرًا ملموسًا في تحسين جودة الحياة. ولا يمكن الحديث عن شراكة مجتمعية فاعلة دون التوقف عند دور الوعي، فالوعي الجسر الذي يربط بين الطموح التنموي والسلوك اليومي، مجتمع واع بحقوقه وواجباته، ومدرك لأهمية المحافظة على المنجزات، هو مجتمع يحمي التنمية من التعثر ويصونها من الاستنزاف، ومن هنا تبرز أهمية الإعلام التوعوي، والتعليم، والخطاب الثقافي المسؤول، في بناء إنسان قادر على التفاعل الإيجابي مع برامج التنمية، لا الوقوف على هامشها. وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، تبرز نماذج مشرّفة لتجسيد مفهوم الشراكة المجتمعية، حيث أسهمت المبادرات التطوعية، والجمعيات غير الربحية، والبرامج التنموية المحلية، في دعم الجهود الوطنية وتحقيق مستهدفات التنمية الشاملة، هذه النماذج تؤكد أن المجتمع حين يُمنح الثقة والتمكين، يكون على قدر المسؤولية، بل ويتجاوز التوقعات في العطاء والالتزام. إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بما يُنفَق من موارد فحسب، بل بما يُبنى من إنسان واعٍ ومسؤول، فالمجتمع ليس مستفيدًا عابرًا من التنمية، ولا متلقيًا ينتظر النتائج، بل شريك أصيل في صناعتها واستدامتها، وكلما تعزز هذا المفهوم في السياسات والخطط والممارسات اليومية، اقتربنا أكثر من تنمية متوازنة، راسخة الجذور، وقادرة على تلبية تطلعات الحاضر وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا. وختامًا، فإن الرهان الحقيقي للتنمية يبقى على الإنسان، وعلى قدرته على المشاركة، والمبادرة، وتحمل المسؤولية، فحين يدرك المجتمع دوره كشريك، تتحول التنمية من مشروع مؤقت إلى مسيرة وطن، ومن أهداف مكتوبة إلى واقع يُعاش، ويُصان، ويُورَّث للأجيال القادمة. د. عمر بن سليمان العجاجي