حين احتجبت الدرعية عن مسرح التاريخ عام 1818م، لم يكن المشهد حينها مجرد حدثٍ عسكري عابر، بل كان لحظة فاصلة في تاريخ المكان والإنسان والذاكرة في الدولة السعودية. وسط ذلك الخراب، تبرز عبارة المؤرخ الفرنسي فيلكس مانجان بوصفها "ومضة استشراف" لا تُقرأ بوصفها انفعالاً عاطفياً، بل باعتبارها قراءة تاريخية لطبيعة الدرعية وقيادتها ومجتمعها ووظيفتها السياسية. لقد كتب مانجان بعد هذا الحدث التاريخي المهم: "على الرغم من التدمير الشنيع الذي قامت به القوات العثمانية في الدرعية وما حولها، إلا أن هناك ما يدل على أنها ستعود من جديد". هذه الجملة الموجزة تفتح باباً واسعاً للتأمل: ما الذي جعل مؤرخاً أوروبياً قريباً من دوائر السياسة في زمنه، يلتقط "قابلية العودة" في مدينة أُريد لها أن تُمحى؟ الإجابة –بالطبع- ليست في المباني وحدها، بل في المعنى السياسي والاجتماعي الذي حملته الدرعية عبر تاريخها، فهي مركز قرار، وبنية حكم، ورمزية وحدة واستقرار. لذلك ف"عودة الدرعية" لم تكن رجوع حجرٍ إلى حجر، بل عودة الفكرة التي تمثّلها المدينة العاصمة: قدرة المجتمع على إعادة بناء الدولة، واستعادة الشرعية، وإنتاج الاستقرار. هذه القدرة التي ستتجلى كذلك بعد احتجاب الدولة السعودية الثانية عن المسرح التاريخي وعودتها على يد صقر الجزيرة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-. واليوم، بعد قرابة قرنين من الزمان على وضع الدرعية الذي تحدث عنه المؤرخ مانجان، ها هي عاصمة العز والشموخ تقف في صورةٍ جديدة؛ لا بوصفها موقعاً تاريخياً فحسب، بل بوصفها مشروعاً وطنياً ثقافياً عالمياً. فحيّ الطريف في الدرعية مُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2010م، اعترافاً بقيمته الاستثنائية وبكونه منطلقاً تاريخياً مؤثراً في المنطقة. وهذا الإدراج لا يمنح المكان اعترافاً فقط، بل يرفعه إلى مستوى مسؤولية دولية في الحفظ والإدارة، ويجعله نافذةً للحوار الثقافي مع العالم. وتزداد دلالة "العودة" وضوحاً حين نقرأ التحوُّل المؤسسي الذي قادته الدولة في السنوات الأخيرة: فقد أُنشئت هيئة تطوير بوابة الدرعية بأمر ملكي عام 2017م، مع تأكيد توجهها لتحويل الدرعية إلى وجهة ثقافية عالمية. كما أعلن صندوق الاستثمارات العامة في يناير 2023م عن الدرعية كمشروع عملاق ضمن محفظته، في إشارة إلى زخم الاستثمار في الثقافة والوجهات التاريخية ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030. هذه المسارات ليست تطويراً عمرانياً فحسب؛ بل صياغة جديدة لعلاقة المواطن بالتاريخ، تلك العلاقة التي تهدف إلى أن يصبح الماضي رصيداً حياً في الاقتصاد والثقافة والهوية. ومن هنا تأتي قيمة استحضار التقاطة مانجان المهمة في سياق الحديث عن الدرعية. تلك الالتقاطة التي تحدثت عنها في أكثر من مكان منها مقالي في هذه الجريدة الغراء بعنوان "المؤرخ مانجان والدرعية" 20 فبراير 2023م، وكذلك "كتابي معالم في طريق رؤية المملكة 2030"، وأخيراً محاضرتي الأخيرة في جامعة الملك سعود بمناسبة يوم التأسيس بعنوان "يوم التأسيس: جذور في التاريخ وآفاق تقودها رؤية 2030"، الثلاثاء 17 فبراير 2026م. تؤكد التقاطة مانجان الذكية أن قوة الدرعية وهي في أصعب ظروفها كانت مقروءة حتى لعيون من خارج السياق المحلي. وما من شك أن الاستثمار في هذا النوع من الشواهد يعمِّق سرديتنا التاريخية الوطنية: جذورٌ ثابتة، وانكسارٌ مؤقت، ثم عودةٌ مدفوعة بالشرعية والالتفاف الاجتماعي. وبما أننا نعيش اليوم أجواء يوم التأسيس المجيد، وبما أن وزارة الثقافة تضطلع اليوم بدورٍ مركزي في إبراز التاريخ الوطني وإيصاله للعالم، فإنني أتوجه إلى سمو وزير الثقافة بفكرة مبادرة دعوة أحفاد فيلكس مانجان –إن أمكن التحقق منهم وتوثيق صلتهم به– لزيارة الدرعية والاطلاع على هذه العاصمة العالمية ومشروعاتها الثقافية، بوصفها "زيارة بعد 200 عام من نبوءة جدهم". هذه المبادرة أحسب أنها ستكون ذات أثر كبير على الإنسان السعودي من ناحية، وعلى أحفاد مانجان من ناحية أخرى، بل وقد يمتد أثرها إلى الشعب الفرنسي. وهذه الدعوة، إذا أُحسن تصميمها وتسليط الضوء عليها، يمكن أن تتحول إلى حدث ثقافي–إعلامي يربط التاريخ السعودي بالسردية الوطنية الحديثة. وقد ينتج عنها مادة وثائقية تُنتج بالشراكة مع منصات ثقافية، وتُترجم إلى لغات عدة. عندها ستكون نافذة دبلوماسية ثقافية تُظهر كيف تحوّل موقعٌ تاريخي كان من الممكن أن يُنسى كما نسيت آلاف المواقع التاريخية المشابهة، إلى فضاء عالمي للتبادل الثقافي والمعرفي. وكل هذا سيحول ملاحظة مانجان إلى جسرٍ حضاري: من أطلال 1818م إلى مشروع ثقافي عالمي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. إنها عظمة السعودية وقيادتها وشعبها.