في اعتقادي أن كل عتبة هي اختبار، فرمضان اختبار كبير وفرصة للتغير ومحاسبة الذات، ويوم التأسيس عتبة وطنية تذكرنا دائمًا أن نكون أفضل، وأنا على يقين أن كثيرًا من القرّاء لديهم عتباتهم الخاصة، فكل منا لديه الفواصل الخاصة به التي مثلت تحولات حقيقية في حياته وألهمته دروسًا خاصة، ربما لا يشعر بقيمتها وتأثيرها إلا هو.. تعودت كل عام تقريبا أن أتأمل رمضان وأكتب عما يدور بخلدي عنه، فهو شهر غير عادي لأنه من الناحية الحسية يُحدث انقطاعا في تسلسل شهور السنة ويمثل فاصلا مهما يجعل ما قبله يختلف عما بعده. فإذا أحسنا العمل فيه قام بوظيفته الكبرى وهي تصفية كل أخطائنا السابقة من الشوائب، وكأنه جهاز تنقية. فكرت كثيرا فيما يعنيه "جهاز التنقية" من الناحية الفلسفية ووجدت أن رمضان يقوم بدور "العتبة الزمنية"، التي تحدد فواصل في السياق الزمني مثل البوابة التي تربط بين "زمنين" لكنها، واقصد البوابة، تمثل "زمنا ثالثا" له خصوصيته. يبدو أن رمضان يقوم بدور "الزمن الثالث" فهو ينقل الناس من حال إلى حال ومن نمط حياة لآخر، وهذا يحدث ليس بسبب "الصيام" في حد ذاته، بل لاستعداد الناس لتغيير أسلوب تفكيرهم بالكامل. نحن هنا لا نتحدث عن ممارسة شعيرة تمثل أحد أركان الإسلام، بل نتحدث عن قالب تفكير جديد يتبناه أغلب الناس في هذا الشهر يجعلهم يغيرون أسلوب حياتهم بشكل إرادي. يذكّرني هذا دائما بقول مصطفى الرافعي أن رمضان يعتبر "مدرسة الثلاثين يوما"، فما الذي يتعلمه الناس من هذه المدرسة وكيف يصبح هذا الشهر زمنا ثالثا وعتبة تفصل بين أسلوبين في الحياة؟ يصادف يوم التأسيس، كذلك، رمضان هذا العام، وكما أن هناك أحداثا في حياتنا تُمثّل عتبات وفواصل وتذكرنا بروابط نكاد ننساها في ظل هذا التسارع الزمني المخيف، هناك وقفات وفواصل تعيدنا إلى الهدوء والتأمل الذي يفترض أن نكون عليه. بالنسبة لي "يوم التأسيس" عتبة ذهنية" أو "عتبة تاريخية" تعيدني إلى نفس البداية التي يفترض أن تكون جزءا من ذاكرتنا الدائمة. إنه يوم "فاصل" بين عالمين وحالتين، ما قبل الوحدة وما بعدها، لكنه كذلك يوم يصل بين هذين العالمين ويربطهما برباط المستقبل. غالبا ما أفكر في الربط أكثر من الفصل، لكن من الضرورة بمكان التفكير في "الفواصل" على أنها أدوات ربط لا تفكيك. إذا ما اعتبرت يوم التأسيس "عتبة" تجعلنا نعيد التفكير في الجذور والهوية من خلال نقد واقعنا المعاصر سوف نرى في هذا اليوم حافزا على "نقد الذات" فالفواصل في الحياة هي من أجل تصحيح الذات وليس للاستمرار على ما قبل الفاصلة. رمضان بحضوره الروحي والاجتماعي الطاغي وذاكرته الوجودية الممتدة مع الآباء والأجداد منذ أن بدأت الرسالة المحمدية، ويوم التأسيس الذي يخاطب الذاكرة ويدفعنا إلى التفكير في الواقع ويحدد مسار خطواتنا نحو المستقبل، عتبتان يجب التوقف عندهما كثيرا للتفكير في "ماذا بعد". ربما حان الوقت لتعريف معنى "العتبة"، فهل هي فاصل مادي مثل عتبة الباب التي تفصل بين عالمين أو مثل الجدار الذي يفصل بين عالمين كقول الله تعالى "فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" (الحديد: 13)، أو أنها حالة مجازية غير مادية لكن لها انعكاس على العالم المادي، مثل خطاب الله للنبي موسى عليه السلام: "فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى" (طه: 12)، فهذا الخطاب المباشر حدد عالمين في مكان واحد يصعب رؤية الحدود المادية بينهما، لكن هذا الخط الفاصل/ الواصل هو خط ذهني حدد المكان المُقدّس وفصله عن المكان الدنيوي. العتبة، سواء كانت مادية أو ذهنية، هي حالة ثقافية خاصة، أي أنها حالة تخص مجموعة بشرية بعينها وتتطور ضمن تقاليد هذه المجموعة وتصبح جزءا من فلسفتها للحياة، لكنها غالبا ما تُمثّل "شيفرة"، لا يستطيع أن يفككها إلا أفراد تلك المجموعة، فموسى عليه السلام لم يستطع أن يرى الخط الفاصل بين ما هو دنيوي وما هو مقدس حتى أخبره الله بذلك. يكمن تعقيد فهم العتبات في هذا الغموض الذي يتطلب معايشة للثقافة التي وُلدت فيها العتبات، فلا نتوقع ممن لم يكن رمضان جزءا من ثقافته أن يفهم هذا الشهر وما يعنيه ولا يستطيع أن يتأمل الدروس التي يقدمها. لن يستطيع بأي حال من الأحوال أن يشعر بالزمن الثالث الذي يمثله هذا الشهر العظيم كونه "عتبة زمنية" قوامها المعايشة والإيمان بالفكرة وبممارسة الشعيرة. يجب أن نقول إن "العتبة" هي نظام تخاطب غير لفظي، أي أنها "لغة صامتة"، لكنها تحدد ما يجب وما لا يجب أن نفعل، أنها تمثل الفواصل الأساسية في حياتنا لكنها كذلك تمثل محطات التزود بالوقود وتصنع الروابط التي لها معنى وقيمة. رمضان الذي نعيشه كل عام كفضاء زمني يغمر العالم ويعيد تعريفه من جديد يمثل الوقفة المتكررة في حياتنا التي تدفعنا إلى الغوص في داخلنا كل عام، هناك الكثير ممن أعرفهم اعتبروا شهر رمضان هو شهر "محاكمة الذات"، وفي اعتقادي أنه لا يوجد "عتبة" أعظم من عتبة تشبه "السراط"، من ينجح في المرور فقد نجا ومن يسقط فقد هلك. السراط "عتبة اختبار"، يتحدد فيها مصير الإنسان الأبدي. في اعتقادي أن كل عتبة هي اختبار، فرمضان اختبار كبير وفرصة للتغير ومحاسبة الذات، ويوم التأسيس عتبة وطنية تذكرنا دائما أن نكون أفضل، وأنا على يقين أن كثيرا من القرّاء لديهم عتباتهم الخاصة، فكل منا لديه الفواصل الخاصة به التي مثلت تحولات حقيقية في حياته وألهمته دروسا خاصة، ربما لا يشعر بقيمتها وتأثيرها إلا هو.