لم تغب المدينةالمنورة، ولا المسجد النبوي الشريف، عن وجدان أئمة وملوك السعودية منذ قيام الدولة الأولى حتى العهد الزاهر، وعلى امتداد ثلاثة قرون، يتكرّس نهج ثابت عنوانه خدمة الحرمين الشريفين والعناية بالمدينةالمنورة، في مسار يجمع بين الأصالة التاريخية والرؤية المستقبلية، ويعكس مكانة طيبة الطيبة في قلب الدولة وقيادتها، فقبل أن تنعم البلاد بالأمن والاستقرار، كانت طرق الحجاج والزوار إلى دار الهجرة النبوية محفوفة بالمخاطر، تتنازعها الاضطرابات وتهدد سالكيها أعمال السلب والنهب، ومع بزوغ فجر الدولة السعودية الأولى، برز تأمين قوافل الحجيج والزائرين كأولوية قصوى في مشروع الدولة الناشئة، حيث أرست الدولة الأولى دعائم الأمن والاستقرار في الحجاز، ما أسهم في حماية قوافل الحجاج والزوار إلى المدينتين المقدستين مكةالمكرمةوالمدينةالمنورة، وحرصت على السيطرة العسكرية ونشر الحاميات على الطرق، فضلاً عن القضاء على قطاع الطرق، لتأمين رحلة الحج وتوفير بيئة آمنة للحجاج، وأبرزت الوثائق التاريخية جهود الدولة السعودية الأولى في هذا المجال من خلال السيطرة العسكرية حيث فرضت الدولة سلطتها على الحجاز، ونشرت القوات على الطرق المؤدية إلى مكةالمكرمةوالمدينةالمنورة لضمان أمن الحجاج، كما تمكنت من القضاء على قطاع الطرق باتخاذ إجراءات صارمة ضد المعتدين على قوافل الحجاج، ما أسهم في استئصال خطر قطاع الطرق، إضافة لإدارة القبائل فقد تعاملت الدولة مع القبائل الواقعة على طرق الحج بأسلوب يجمع بين الحزم واللين، لمنع أي تعدّ على القوافل، وكان للدولة الأولى أثر في رعاية قوافل الحج، حيث قاد الإمام سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله- الحج بنفسه، ما ساعد على تنظيم الحشود وزيادة أعداد الحجاج بفضل الشعور بالأمان، أما في مجال البنية التحتية والخدمات، فقد شملت جهود الدولة ترميم الحصون والقلاع، وتأمين المياه، وتوفير السلع والخدمات التجارية لضيوف الرحمن، ويشير المؤرخون إلى أن تأمين الحج كان عنصراً أساسياً في شرعية الدولة السعودية الأولى، حيث أصبحت الدرعية مركزاً لحماية الحرمين الشريفين، معززة الاستقرار وأمان الطريق أمام الحجاج والزوار، ذلك النهج أرسى دعائمه الإمام محمد بن سعود -رحمه الله-، مؤسس الدولة السعودية الأولى، حين وضع أسس كيان سياسي متماسك امتد أثره في أرجاء الجزيرة العربية، وفي سياق تلك العناية، زار الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد -رحمه الله- المدينةالمنورة عام 1807م عقب أدائه فريضة الحج، وأقام فيها أياماً يتفقد أحوالها ويطمئن على أهلها، ثم عاد إليها في العام التالي، في دلالة مبكرة على مركزيتها في وجدان القيادة، وتواصل الاهتمام في عهد الدولة السعودية الثانية بقيادة الإمام تركي بن عبدالله بن محمد -رحمه الله-، وصولاً إلى مرحلة التأسيس الثالث على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، الذي استعاد الرياض عام 1902م، ووحّد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء المؤسسي والعناية المتنامية بالحرمين الشريفين. توسعات متعاقبة قبل نحو قرن، وتحديداً في شعبان 1345ه، سجّل الملك عبدالعزيز أول زيارة له إلى المدينةالمنورة بعد توحيد البلاد، حيث أدى الصلاة في المسجد النبوي، واطّلع على أوضاعه، ولاحظ تصدعات في بعض العقود الشمالية وتفتتاً في حجارة الأعمدة، فأمر ببدء أعمال الإصلاح والترميم، التي شملت أرضيات المسجد وأروقته وبعض أعمدته، إضافة إلى معالجة التشققات في الحجرة النبوية الشريفة، وفي عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- استُكملت أعمال التوسعة على نحو متقن، ثم شهد عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- توسعة من الجهة الغربية، أزيلت خلالها عقارات مجاورة، وظُللت مساحة تزيد على 40,500 متر مربع بمظلات مؤقتة مهيأة للصلاة، وفي عهد الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، أزيلت المنطقة الجنوبية الغربية إثر حريق، وعُوّض أصحاب العقارات، وضُمّت المساحات إلى الساحات المظللة، لتبلغ المساحة الكلية بعد التوسعة السعودية الأولى 16,327 متراً مربعاً، أما النقلة النوعية الكبرى فجاءت في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- الذي وجّه عام 1403ه بإعداد دراسة لتوسعة شاملة بعد أن ضاقت المساحة بالمصلين، فامتدت التوسعة غرباً حتى شارع المناخة، وشرقاً حتى شارع أبي ذر بمحاذاة البقيع، وشمالاً كذلك، في مشروع ضاعف الطاقة الاستيعابية وغيّر المشهد العمراني للمحيط. وتواصلت المشاريع في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- عبر توسعة كبرى. رؤية مستقبلية وفي العهد الحالي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- تتواصل مشروعات التوسعة والتطوير ضمن منظومة عمل متكاملة، من بينها مشروع تبليط الساحات الغربية للمسجد النبوي بمساحة تقارب 100 ألف متر مربع، تستوعب نحو 100 ألف مصلّ، إلى جانب تحديث أنظمة الصوت والتيار الخفيف والأنظمة الكهروميكانيكية وفق أحدث المعايير العالمية، وفي سياق الرؤية المستقبلية، أطلق ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- في 24 أغسطس (آب) 2022 أعمال البنية التحتية والمخطط العام لمشروع "رؤى المدينة" شرقي المسجد النبوي، على مساحة إجمالية تبلغ 1.5 مليون متر مربع، مستهدفاً إنشاء 47 ألف وحدة ضيافة بحلول 2030، مع تخصيص 63 في المئة من المساحة لمناطق مفتوحة وخضراء، دعماً لمستهدف رفع أعداد المعتمرين إلى 30 مليوناً سنوياً بحلول ذلك العام، كما يحظى مسجد قباء، أول مسجد في الإسلام، بأكبر توسعة في تاريخه، أعلن عنها في رمضان 1443ه، لتصل مساحته إلى عشرة أضعاف، بطاقة استيعابية تبلغ 66 ألف مصلّ، ضمن مشروع يحمل اسم خادم الحرمين الشريفين. لقد شهدت مسيرة خدمة الحرمين الشريفين في العهد الميمون، تطوراً غير مسبوق، مع اهتمام خاص بتطوير المسجد النبوي الشريف لخدمة الإسلام والمسلمين من مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى العناية بأهالي المدينةالمنورة وزوارها، تبرز بعض معالمها في استمرارية التوسعات بهدف زيادة السعة، وتوفير مساحات خضراء، ومظلات، ومصليات نسائية، ومواقف سيارات، وممرات مشاة، ومنافذ خدمية متنوعة، وفق إطار رؤية المملكة 2030، التي تعتمد أحدث المعايير التقنية والخدمية، بمتابعة من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، والتي تقوم على التقنيات الذكية من أنظمة تحكم متكاملة في الإضاءة والتهوية والتبريد والصوت والمراقبة، إضافة إلى شاشات عرض، ومكبرات صوت، ومساعدات سمعية، وكاميرات، ومنافذ شحن، لتسهيل تجربة الزوار والمصلين، واعتماد الطاقة المتجددة باستخدام الألواح الشمسية لتوليد الكهرباء وتقليل الانبعاثات الضارة، ما يعكس التزام المملكة بالاستدامة، إضافة إلى الإنارة الذكية والتبريد الهجين، والتي توفر إنارة مثالية حسب الحاجة، وتبريد الساحات والمصليات بالمياه المبردة والرذاذ مع الاستفادة من الرياح الطبيعية، والعناية بأدق التفاصيل ومنها البث الرقمي من خلال نقل صوت وصورة المسجد النبوي مباشرة للعالم، ليتمكن المسلمون من متابعة الصلاة والخطب والدروس بجودة عالية، كما تم تعزيز الخدمات الصحية والإنسانية عبر توفير عيادات ومراكز طبية حول المسجد النبوي، وتوزيع ماء زمزم، وإقامة مظلات وكراسي لراحة الزوار، وفي مجال الحفاظ على التراث والهوية الإسلامية، تم ترميم الجدار القبلي للمسجد النبوي الذي يزيد عمره على 170 سنة، واستعادة زخارفه الأصلية، مع الحفاظ على التصميم العمراني والتاريخي للمسجد، وإنشاء متاحف ومراكز ثقافية تعكس تاريخ المدينةالمنورة والحضارة الإسلامية، إلى جانب تنظيم جولات وورش عمل وأنشطة تثقيفية للزوار والمصلين، وعلى الصعيد الإداري والتنظيمي، صدر مرسوم ملكي بتحويل الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي إلى الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، لتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتتكفل بإدارة التشغيل والصيانة والتطوير، مع إقامة مشاريع ثقافية وخدمية في المنطقة المركزية لتعزيز تجربة الزائر، بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030 لجعل الحرمين الشريفين نموذجاً عالمياً في تقديم أفضل الخدمات. ولي العهد متشرفاً بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم المسجد النبوي إرث ديني وهوية تاريخية العناية بالمساجد التاريخية المحافظة على الهوية التاريخية الحرم الشريف قديماً معرض عمارة المسجد النبوي ساحات الحرم الشريف رؤية مستقبلية قوافل الحجاج المواصلات قديماً