ليس من قبيل الشوائب الاشتغال بالأعمال النافعة من دراسة وتجارة ووظيفة، وقيام على شؤون الأسرة، بل ينبغي للإنسان أن ينوي بهذه الأعمال التقوّي على العبادة ونفع نفسه وأهله بما يكسب منها، وأن يخلص في تجويد ما ائتُمنَ عليه من الأعمال، وبهذا يكون انخراطُه في هذه الأعمال عبادة، ويكون قد عمر أوقات شهر رمضان بعبادات متنوعة.. ما من عملٍ ينخرطُ فيه الإنسانُ إلا وتكتنفه مشتّتاتٌ تعوق عن المضيّ فيه، أو تثبّط الإنجازَ فيه، أو تؤثّر على جودته، أو تفرّغه من مضمونه حتى يصيرَ صورةً بلا معنى، وجسداً بلا روحٍ، والعباداتُ ليست مستثناةً من هذا، بل المشغلاتُ عنها أكثر من المشغلات عن غيرها؛ لأن الشيطانَ -حفظنا اللهُ تعالى من كيده- مُولَعٌ بتشتيت الإنسان أثناءَ أدائه للعبادة، كما أن العبادات لها أركانٌ لا بدَّ من اجتماعها، أولها النيّة الخالصة، فإن خلا العمل منها أو شابتها شائبةُ الرياء والسمعة كان العمل غير مقبولٍ كما يدلُّ عليه حديث أَبي هُرَيرَةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغنَى الشُّرَكَاء عَن الشّرك، مَن عَملَ عَمَلًا أَشرَكَ فيه مَعي غَيري، تَرَكتُهُ وَشركَهُ) أخرجه مسلمٌ، ومنها استيفاؤهُ شروطَه الشرعيّة وخلوه من المفسدات، ولتمام الانتفاع به شرطٌ آخر وهو خلوُّه من المنغصات التي تؤثر على كماله، ومنها أن لا يبتدعَ فيه؛ فالإحداث في العبادة من أسباب ردّها كما في حديث عَائشَةَ رَضيَ اللَّهُ تَعالى عَنهَا، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ: «مَن أَحدَثَ في أَمرنَا هَذَا مَا لَيسَ فيه، فَهُوَ رَدٌّ»، متفق عليه، والصّيامُ من الأعمال التي يجب أن يُحتاطَ لها؛ لأنه ركنٌ من أركان الإسلام، ولعظَم الأجر المترتّب على إتمامه وخلوّه من الشوائب، ولي مع الصيام الخالي من الشوائب وقفاتٌ: الأولى: على المسلم أن يصومَ هذا الشهر بنية التقرب إلى الله تعالى بأداء هذه الفريضة، والإخلاص فيه لله تعالى، وأن يصونَ صيامَه عن الشوائب، وهذه الأمور معلومة من عموم أدلّة الشرع الدالّة على اعتبار النية في العبادات، والدالّة على وجوب الإخلاص في الأعمال، والدّالة على عدم خلط العبادات بشوائب المعاصي، لكن لم يُكتَف بإحالة المكلّف على تلك الأدلة ليفهمَ حكمَ الصيام منها وحدَها، بل وردت أدلّةٌ تنصُّ على حكم الصيام في ذلك؛ لتتعاضد فيه دلالة العمومات ودلالة الخصوص، وهذا يدلُّ على أهميّته ووجوب الانتباه له، فمن الأدلّة الواردة في اعتبار النيّة فيه حديثُ حَفصَةَ رضي الله تعالى عنها، أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ، قَالَ: (مَن لَم يُبَيّت الصّيَامَ منَ اللَّيل، فَلَا صيَامَ لَهُ)، أخرجه النسائيُّ وصححه الألبانيُّ، ومن الأدلة الدالّة على اعتبار الإخلاص فيه حديث أَبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ تعالى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ: (إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: إنَّ الصَّومَ لي وَأَنَا أَجزي به)، متفق عليه، قال العلماء معنى قوله: "الصّومُ لي" أنه خالص لله تعالى، لا يطلع عليه أحد، فليس فيه شيءٌ من حظوظ النفس، فهذا شأن الصيام الشرعيّ، فلو أمسك عن المفطرات أمام الناس وانتهك حرمةَ الصوم سرّاً لم يكن صائماً، ومن الأدلة الدالّة على ترك الشوائب في الصوم، فمنها حديثُ أَبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللَّهُ تعالى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ: (مَن لَم يَدَع قَولَ الزُّور وَالعَمَلَ به، فَلَيسَ للَّه حَاجَةٌ في أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)، أخرجه البخاري. الثانية: الشوائب قسمان: فمنها ما يُخلُّ بصحة الصوم، وذلك بخلوّه من النية، وبارتكاب بعض المفطرات، وهذه تقتضي بطلان صوم ذلك اليوم وعمارة ذمة المكلّف بقضاء ذلك اليوم، ومع ذلك يجب على من وقع فيها أن يكفَّ عن المفطرات مراعاةً لحرمة نهار رمضان، ويجب عليه قضاءُ يومٍ مكانَ ذلك اليوم، ومنها ما يوجبُ مع ذلك كفارةً كما هو مفصّلٌ في الفقه، ومن الشوائب ما لا يُخلُّ بصحة الصوم، ولا يوجبُ قضاءً وتبرأ به الذمةُ، كالغيبة والنميمة وقول الزور، وسائر التصرفات التي لا تليق بالصائم سوى المفطرات، فهذه الشوائب ينقصُ بها أجرُ الصائم، وقد يسترسلُ فيها الصائم حتى تكونَ التبعاتُ المترتبة عليها أكثر من أجر صوم يومه، وقد تتساوى معه، فلا يستفيد في صومه أجراً فمن تكافأت خسارته ومكسبه، فهو خاسرٌ. الثالثة: ليسَ من قبيل الشوائب الاشتغال بالأعمال النافعة من دراسة وتجارة ووظيفة، وقيام على شؤون العيال ونحو ذلك، بل ينبغي للإنسان أن ينوي بهذه الأعمال التقوّي على العبادة ونفع نفسه وأهله بما يكسب منها، وأن يخلصَ في تجويد ما ائتُمنَ عليه من الأعمال، وبهذا يكون انخراطُه في هذه الأعمال عبادةً، ويكون قد عمر أوقاتَ شهر رمضانَ بعبادات متنوّعة، وبالمقابل يجب عليه أن يحترسَ من تضييع أمانة الوظيفة في رمضانَ؛ فإنَّ ذلك من الشوائب التي تُنقص الأجرَ وقد تكثر فتلتهمُ أجرَ الصائم، فإذا كانَ الصائمُ مُلزَماً بترك طعامه وشرابه، فكيف تُطلَق يدُه في الإضرار بمصالح عمله؟! هذا ما لا يمكن تصوُّره، فصُم أيها المسلم عن المفطرات وعن الأقوال التي لا تليق من كذب وغيبة ونحوهما، ومن التصرّفات الضارَّة بغيرك، ومنها التفريط في أعمال وظيفتك.