ديوان المحاسبة اليوم بإدارته الرشيقة يكرّس الرقابة كعنصر بنيوي في التنمية، ويجسد المسؤولية في صورة مؤسسية حديثة، يقودها إطار نظامي واضح، وتدعمها أدوات تقنية متطورة، ويعززها حضور مهني احترافي؛ لرفع كفاءة الأداء، وترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة وفق مستهدفات رؤية السعودية 2030. في المشهد الإداري للدولة الحديثة، تقف المؤسسات الرقابية بوصفها حارسًا يقظًا على المال العام، ورافعةً لسلامة الأداء، وضمانةً لاستدامة الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي المملكة العربية السعودية يتجسد هذا الدور في ديوان المحاسبة، الجهاز الأعلى للرقابة المالية العامة، الذي يعمل ضمن إطار نظامي واضح يستند إلى اختصاصات محددة في الرقابة المالية، والرقابة على الأداء، والتحقق من الالتزام بالأنظمة واللوائح. تعود جذور "ديوان المحاسبة" إلى عام 1341ه (1922م) حين أُنشئ باسم ديوان المراقبة العامة بأمر من الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ليكون جهازًا معنيًا بمتابعة الحسابات وضبط المصروفات العامة في مرحلة بناء الدولة الحديثة. ومع تطور البناء المؤسسي وتوسع مهام الدولة، تعزز الإطار النظامي للديوان عبر أنظمة ولوائح متعاقبة نظمت اختصاصاته ووسعت نطاق رقابته. وفي عام 1441ه (2020م) صدر أمر ملكي بتغيير مسماه إلى ديوان المحاسبة، بما يعكس اتساع الدور الرقابي وتحديث مفاهيم العمل ومواءمته مع أفضل الممارسات الدولية في أجهزة الرقابة العليا. يمارس ديوان المحاسبة رقابته على الجهات الحكومية والأجهزة ذات الشخصية الاعتبارية العامة، متابعًا سلامة الصرف، وكفاءة استخدام الموارد، ومدى تحقيق الأهداف المعتمدة في الخطط والبرامج. وتظهر تقاريره السنوية حجم العمل الرقابي واتساع نطاقه، حيث تغطي أعمال المراجعة مئات الجهات، وتتناول ملاحظات مالية وإجرائية، مع توصيات تصحيحية تسهم في تعزيز الحوكمة والانضباط المؤسسي. هذه التقارير تمثل مرآة موضوعية للأداء، وتعد أداة تطوير بقدر ما هي أداة رقابة. وخلال المرحلة الأخيرة، شهد الديوان تحولًا رقميًّا متقدمًا عزّز كفاءة أعمال المراجعة ورفع مستوى التحليل. فقد أُطلقت الاستراتيجية المحدثة للديوان، بالتزامن مع تطوير منظومة المراجعة الرقمية «شامل 2.0»، التي تعتمد على التحليل الآلي للبيانات، وتوظيف التقنيات الحديثة في دعم إجراءات الفحص والربط والمقارنة، وهذا التطوير أتاح تغطية رقابية أوسع، وسرّع من دورة المراجعة، ورفع جودة المخرجات، بما ينسجم مع التحول الوطني نحو الحكومة الرقمية. ويمثل توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة في أعمال الديوان؛ إذ أصبح التعامل مع قواعد بيانات ضخمة، ومقارنة الأنماط المالية، واكتشاف المؤشرات غير الاعتيادية، جزءًا من منهجية العمل الرقابي. هذه الأدوات التقنية تدعم دقة النتائج وتعزز موثوقيتها، وتمنح فرق المراجعة قدرة أعلى على الاستباق والتحليل المتعمق. ويقود هذا المسار التحولي بإدارته الرشيقة معالي رئيس الديوان الدكتور حسام بن عبدالمحسن العنقري، الذي ارتبط اسمه بتحديث الاستراتيجية المؤسسية، وتطوير بيئة العمل الرقابي، وتعزيز الحضور المهني إقليميًا ودوليًا. وفي عهده توسعت الشراكات المهنية، وارتفع مستوى التأهيل والتدريب، وتكثفت المبادرات الداعمة لرفع كفاءة المراجعين، بما يعكس رؤية إدارية تركز على بناء القدرات وتحديث المنهجيات الرقابية. ويُسجَّل للدكتور العنقري أيضًا بروز المملكة في المحافل المهنية الدولية؛ إذ تم انتخابه رئيسًا لمجلس إدارة The Institute of Internal Auditors للدورة (2027–2028)، بوصفه حدثًا نوعيًا يعكس حضور المملكة في قيادة المنظمات المهنية العالمية، وتمثيلًا عربيًا وآسيويًا متقدمًا في هذا الموقع، وهذا الحضور يعزز تبادل الخبرات، ويدعم نقل أفضل الممارسات إلى البيئة الرقابية الوطنية، ويرفع من مستوى التكامل بين المعايير الدولية والتطبيق المحلي. إن ديوان المحاسبة اليوم يعمل ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى حماية المال العام، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الشفافية، ودعم اتخاذ القرار. دوره يمتد إلى تحسين العمليات وتطوير السياسات وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد. وفي ظل تسارع المشاريع الوطنية واتساع نطاق المبادرات التنموية، تتأكد أهمية هذا الدور بوصفه ركيزة أساسية في منظومة الحوكمة. بهذا المسار المتقدم، تتكرّس الرقابة بوصفها عنصرًا بنيويًا في التنمية، وتتجسد المسؤولية المالية في صورة مؤسسية حديثة، يقودها إطار نظامي واضح، وتدعمها أدوات تقنية متطورة، ويعززها حضور مهني راسخ. إنها صورة جهاز رقابي يعمل باحتراف، ليصون المال العام، ويرفع كفاءة الأداء، ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة وفق مستهدفات رؤية السعودية 2030.