جاء نظام الرقابة المالية الجديد ليشكل إحدى أهم حلقات استكمال البنية النظامية لحماية المال العام، ولينقل الرقابة المالية إلى إطار مؤسسي ديناميكي يوظّف التقنية، ويركز على جودة الأنظمة الداخلية بقدر تركيزه على سلامة الإجراءات الفردية، وليواكب في الوقت ذاته التحولات العميقة التي قادتها رؤية 2030 في إعادة هندسة منظومة الحوكمة المالية وحسن إدارة المال العام؛ حيث أعاد النظام تعريف مفهوم الرقابة المالية من مجرد فحص لاحق للإجراءات إلى منظومة متكاملة من السياسات والضوابط والأدوات التي تطبقها وزارة المالية على الجهات المشمولة بالنظام، مع عدم المساس باختصاصات الجهات الرقابية الأخرى؛ وكذلك وسع النظام نطاق الخضوع ليشمل إضافة إلى الجهات الحكومية كل جهة تحصل على دعم أو إعانة مباشرة من خزينة الدولة، أو تنفذ أعمالاً أو مشتريات نيابة عن جهة حكومية، أو تتولى تحصيل إيرادات عامة، بما يغلف دائرة المال العام بطبقة أوسع من الحماية النظامية. ويبرز النظام تنويع أساليب الرقابة بين أربع أدوات رئيسة: الرقابة المباشرة، والرقابة الذاتية، والرقابة الرقمية (التقنية)، ورقابة التقارير، مع تمكين الوزير من الجمع بينها بحسب طبيعة الجهة ومستوى المخاطر في عملياتها؛ فالرقابة المباشرة ما زالت حاضرة من خلال الممثل المالي الذي يجيز الصرف بعد التحقق من امتثال الإجراءات، مع إسناد دور واضح للديوان العام للمحاسبة عندما تصر الجهة على الصرف رغم الملاحظات، بما يعزز المساءلة ولا يجمد كفاءة القرار الإداري؛ وفي المقابل، يدفع النظام نحو ترسيخ الرقابة الذاتية داخل الجهة، من خلال إلزامها بتطوير إطار فعال لأنظمة الرقابة الداخلية، وتحميلها مسؤولية صحة عملياتها المالية واستخدام المال العام في ما خصص له، مع دور داعم وإرشادي لوزارة المالية في التقييم وتقديم المشورة؛ وكذلك يرسخ النظام التحول الرقمي في الرقابة على المال العام عبر الرقابة الرقمية ورقابة التقارير، حيث تعتمد الوزارة على مراقبة نظم الموارد الحكومية وتحليل البيانات الناتجة عنها، وطلب التقارير المالية والرقابية من الجهات، خصوصاً تلك التي يقتصر تعاملها على حدود الدعم أو الأعمال الموكلة من الدولة؛ هذا التحول من الرقابة الورقية إلى الرقابة القائمة على البيانات الضخمة وأنظمة المعلومات لا يهدف فقط إلى مكافحة الهدر، بل يتجاوز ذلك إلى بناء حصانة للاقتصاد من خلال الكشف المبكر عن مواطن الخلل في الضوابط وتقوية ثقافة الامتثال والشفافية داخل القطاع العام؛ وبينما يلزم النظام الجهة بتمكين المراقبين الماليين، والرد على ملاحظاتهم، ومعالجة المخالفات وفق إجراءات تصحيحية واضحة، فإنه يمنح في المقابل المراقب المالي استقلالية مهنية وحوافز مرتبطة بحماية المال العام، في رسالة مفادها أن الرقابة الحديثة لم تعد عائقاً أمام الأداء، بل شريك في ضمان استدامة تنمية المالية العامة للدولة. خلاصة القول، النظام يكشف عن انتقال نوعي في فلسفة إدارة المال العام، من منطق الاستجابة للمخالفة بعد وقوعها إلى نهج استباقي يقوم على إدارة المخاطر وتعزيز كفاءة الإنفاق؛ ومع اتساع نطاق الخضوع، وتنوع أساليب الرقابة، وتكامل الأدوار بين وزارة المالية والجهات الرقابية الأخرى، تتكرس بيئة مالية أكثر انضباطاً وشفافية، وتجعل من حماية المال العام جزءاً أصيلاً من متطلبات استدامة النمو الاقتصادي؛ وفي ظل ما يشهده الوطن من مشروعات واستثمارات غير مسبوقة، تبدو هذه المنظومة الجديدة للرقابة أحد الشروط الضرورية لصون مكتسبات المرحلة، وضمان عبور آمن نحو اقتصاد أكثر حصانة في مواجهة الهدر والفساد ومخاطر سوء الإدارة المالية.