مشروع الجافورة يتقاطع مع مستهدفات التحول الاقتصادي الأشمل، فزيادة إنتاج الغاز تُسهم في دعم قطاعات صناعية جديدة، من التعدين إلى الصناعات الثقيلة، وتوفر طاقة تنافسية تدعم جذب الاستثمارات الأجنبية، فيما تُعزز تقنيات الاستخراج المتقدمة نقل المعرفة وبناء الكفاءات الوطنية في مجالات هندسية وتقنية عالية التعقيد.. يمثّل إعلان تصدير أول شحنة مكثفات نفطية من حقل الجافورة لحظة مفصلية في مسار تحول الطاقة السعودي، ومؤشرًا استراتيجيًا على إعادة تشكيل معادلة الطاقة في المملكة، فالحدث الذي تناولته التغطيات الاقتصادية مؤخرًا، ينبغي عدم قراءته بمعزل عن سياق أوسع يتعلق بإعادة هندسة مزيج الطاقة، وتعزيز أمن الإمدادات، وإعادة توجيه الموارد بما يخدم مستهدفات رؤية السعودية 2030، فالجافورة، الذي يُعد أكبر حقل غاز غير تقليدي في بلادنا، يمثل انتقالًا نوعيًا من اقتصاد يعتمد تقليديًا على النفط الخام إلى نموذج أكثر تنوعًا يرتكز على الغاز الطبيعي وسوائل الغاز والمكثفات. المشروع الذي تُقدَّر استثماراته بنحو 100 مليار دولار، يعتمد على تقنيات التكسير الهيدروليكي، وهو يهدف إلى زيادة الإنتاج، وتعميق القيمة المضافة محليًا، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتصدير أول شحنة مكثفات ليس نهاية مرحلة، بل بداية دخول الجافورة إلى الدورة الاقتصادية العالمية كلاعب فعلي في سوق الطاقة. الأهمية الاستراتيجية لهذه الخطوة تتجلى في ثلاثة أبعاد مترابطة، أولًا، البعد الاقتصادي المباشر، فالمكثفات وسوائل الغاز تُعزز في تعزيز إيرادات القطاع، وتنويع مصادر الدخل داخل منظومة أرامكو.. وثانيًا، البعد المحلي المرتبط بتحرير كميات كبيرة من النفط الخام كانت تُستخدم في توليد الكهرباء، ليُعاد توجيهها إلى التصدير أو إلى الصناعات التحويلية الأعلى قيمة.. وثالثًا، البعد الهيكلي المرتبط بإعادة تشكيل مزيج الطاقة الوطني نحو الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي الأقل انبعاثًا مقارنة بالنفط. ما يجب استيعابه، هو أن قيادتنا تُدرك أن معادلة الطاقة العالمية تمر بمرحلة إعادة توازن، فالطلب على النفط لا يزال قائمًا، لكنه يتقاطع مع ضغوط تحول الطاقة، وتسارع الاستثمارات في الطاقة المتجددة، وتغير أنماط الاستهلاك الصناعي، ومن المهم هنا، عدم النظر إلى مشروع الجافورة، كخطوة استباقية لتأمين موقع تنافسي طويل الأمد في سوق يتجه تدريجيًا إلى مصادر أكثر كفاءة وأقل كثافة كربونية. ومن منظور أعمق، يعكس الجافورة تحولًا في فلسفة إدارة الموارد، فبدلًا من الاكتفاء بتصدير الخام، تتجه المملكة إلى تعظيم الاستفادة من كامل سلسلة القيمة، من الاستخراج إلى المعالجة والتكرير والصناعات البتروكيماوية، فالمكثفات، على سبيل المثال، تدخل في صناعات ذات عائد مرتفع، من اللدائن إلى المنتجات الكيماوية المتقدمة. ويعكس توجيه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية قراءة دقيقة لخريطة الطلب العالمي، فآسيا، باعتبارها المحرك الأكبر لنمو الطلب على الطاقة، تمثل شريكًا استراتيجيًا للمملكة، وبناء علاقات توريد طويلة الأجل في هذا الاتجاه يعزز الاستقرار في العوائد، ويمنح أرامكو موقعًا تفاوضيًا قويًا في سوق يشهد تنافسًا متزايدًا بين المنتجين، ولذلك، لا يتوقف الأثر عند حدود الطاقة، فمشروع الجافورة يتقاطع مع مستهدفات التحول الاقتصادي الأشمل، فزيادة إنتاج الغاز تُسهم في دعم قطاعات صناعية جديدة، من التعدين إلى الصناعات الثقيلة، وتوفر طاقة تنافسية تدعم جذب الاستثمارات الأجنبية، فيما تُعزز تقنيات الاستخراج المتقدمة نقل المعرفة وبناء الكفاءات الوطنية في مجالات هندسية وتقنية عالية التعقيد. في الوقت ذاته، يحمل المشروع رسالة واضحة مفادها أن المملكة لا تنظر إلى تحول الطاقة كقطيعة مع مواردها التقليدية، بل باعتباره إعادة تموضع ذكية داخل المشهد العالمي، فهي تستثمر في الطاقة المتجددة، وتعلن مبادرات لخفض الانبعاثات، لكنها في المقابل تعزز كفاءة إنتاجها الهيدروكربوني، وتخفض كثافته الكربونية، وتستثمر في الغاز كوقود انتقالي أساسي، وهنا تتضح معادلة دقيقة، تتمثل في حفاظها على ريادة سوق النفط، مع بناء قاعدة غازية قوية، والاستثمار في الطاقة النظيفة، وهذه الثلاثية ليست تناقضًا، بل استراتيجية توازن تحمي الاقتصاد من تقلبات الطلب، وتمنحه مرونة في مواجهة سيناريوهات مستقبلية غير مؤكدة. وينبغي على الرأي العام الوطني، أن يستوعب هذه المسألة، ضمن مسار أوسع لإعادة صياغة الاقتصاد السعودي، فكل مشروع بهذا الحجم يُعيد تشكيل بنية الطاقة، ويؤثر في معادلة الصادرات، ويدعم فرص العمل، ويعزز مكانة المملكة في سوق عالمي تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، ما يعني أن بلادنا تتحرك وفق رؤية استباقية، وإلى تشكيل موقعها داخلها.. دمتم بخير.