كشفت التصريحات الأخيرة لعدد من الوزراء والمسؤولين خلال منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص عن تحول جوهري في فلسفة التخطيط الاقتصادي للمملكة؛ فقد أعلن وزير الاستثمار أن استضافة كأس العالم (2034) وإكسبو (2030) فرضت إعادة هيكلة شاملة للأولويات الاستثمارية، مما استوجب تأجيل مشاريع ضخمة كان ينظر إليها سابقاً باعتبارها ركائز أساسية في رؤية 2030؛ هذا الإعلان لا يمثل تراجعاً عن الطموحات التنموية بقدر ما يعكس نضجاً في التعاطي مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية؛ فالمرونة في تعديل المسارات التنموية تعد مؤشراً على قدرة صانع القرار على الموازنة بين الرؤية الإستراتيجية والواقعية التنفيذية. إن التحول من مرحلة بناء القطاعات إلى تكامل المنظومات، كما أوضح محافظ صندوق الاستثمارات العامة، يعكس استيعاباً عميقاً للدروس المستفادة من السنوات الماضية؛ فقد أثبتت التجربة أن النمو المستدام لا يتحقق بمجرد إطلاق مشاريع ضخمة، بل يتطلب منظومة متكاملة تربط بين القطاعات المختلفة وتخلق تكاملاً اقتصادياً حقيقياً؛ وفي هذا السياق، يأتي التركيز على البنية التحتية الحيوية مثل مطار الملك سلمان وتوسعة مطار الملك خالد كأولويات ملحة ترتبط بالتزامات دولية وتخدم أهدافاً متعددة الأبعاد؛ كما أن توجيه الاستثمارات نحو قطاعات واعدة مثل الذكاء الاصطناعي يعكس قراءة واعية للتحولات العالمية ورغبة في المشاركة الفاعلة في اقتصاد المستقبل، لا مجرد اللحاق بركب التطور التكنولوجي. تبقى الرسالة الأهم في هذا التحول الإستراتيجي هي دعوة القطاع الخاص لتبوؤ دوره الطبيعي كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي؛ فالدعوة لصندوق الاستثمارات العامة بخفض إنفاقه على المشاريع المحلية وإفساح المجال أمام القطاع الخاص تمثل تحولاً نوعياً في العلاقة بين الدولة والسوق؛ هذا التوجه يتماشى مع التجارب الاقتصادية الناجحة عالمياً، حيث تلعب الحكومة دور الممكن والمنظم لا المنفذ المباشر؛ وبتحقيق (93 %) من مؤشرات الأداء الرئيسية لرؤية (2030) كما أعلن وزير المالية في منتدى (دافوس 2026)، تكون المملكة قد وضعت أساساً صلباً يمكن البناء عليه بثقة؛ إن المرونة في إدارة التحولات الكبرى ليست ضعفاً بل حكمة، وإعادة ترتيب الأولويات بناء على معطيات متغيرة هي سمة الإدارة الرشيدة التي تضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشكلية؛ وبذلك تثبت التجربة السعودية أن الرؤى الكبرى لا تقاس بثبات المسار، بل بالقدرة على الجمع بين وضوح الهدف ومرونة التنفيذ.