بعد نحو 30 عاماً من توقف المدافع في الحرب الأهلية الدامية التي شهدتها جمهورية البوسنة والهرسك لمدة ثلاث سنوات ونصف، مازالت النيران تحت الرماد، خاصة مع تركيز اهتمام أوروبا على الحرب في أوكرانيا واحتمال تقليص المساعدات الأمنية الأميركية للقارة ككل. وقبل ثلاثة عقود، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1995، أنهت اتفاقيات دايتون، التي توسطت فيها الولاياتالمتحدة هذه الحرب التي شهدتها جمهورية البوسنة والهرسك، عبر بناء هيكل معقد لتقاسم السلطة في بلد مقسم بين المسلمين والصرب والكروات. ومنذ ذلك الوقت قادت أوروبا والولاياتالمتحدة جهود حماية السلام في البوسنة، إلا أن هذا الاهتمام الغربي تراجع في السنوات الأخيرة، إذ حولت كل من بروكسلوواشنطن تركيزهما إلى أماكن أخرى مثل أوكرانيا. وقد شجّع غياب الضغط الدولي تحركات القوميين داخل البوسنة، مثل ميلوراد دوديك، الزعيم الصربي البوسني الذي دعا مراراً وتكراراً إلى انفصال جمهورية صربسكا، شبه المستقلة والتي شغل دوديك فيها منصب الرئيس. وخلال العام الماضي تم منع دوديك من تولي أي منصب عام، وخضع لعقوبات أميركية منذ عام 2022. إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفعت هذه العقوبات في أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وبدا هذا القرار وكأنه عمل من أعمال المحسوبية من قِبَل الرئيس دونالد ترمب، كما يعكس تحولا طويل الأمد في السياسة الأمريكية، حيث تراجعت الولاياتالمتحدة عن التزاماتها التي تعهدت بها تجاه البوسنة قبل ثلاثة عقود. وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأميركية قالت الكاتبة الأميركية إيلميرا بيرسلي إنه ما لم يبدِ شركاء البوسنة الدوليون اهتماما بالبوسنة، سيواصل دوديك وغيره من القادة القوميين تقويض قيود اتفاقية دايتون على الحكم الذاتي العرقي والطموحات الانفصالية. ومن غير المرجح عودة الاهتمام الأميركي بالبوسنة قريبًا، لذا تقع مسؤولية مستقبل هذه الدولة الآن على عاتق القادة الأوروبيين. وإذا لم تستطع أوروبا استعادة دورها كضامن للاستقرار ومحفِز للإصلاح، فإنها تخاطر بمشاهدة انهيار التوازن الهش في البوسنة، وهو ما سيهدد الأمن الأوروبي ككل ويلحق مزيدا من الضرر بمصداقية الاتحاد الأوروبي، ويُضفي شرعية على الاعتقاد - لذي استغلته روسيا بالفعل في أوكرانيا- بإمكانية تغيير الحدود والاتفاقيات الدولية بالقوة. وبعد مرور ثلاثين عاما على انتهاء حرب البوسنة، توقفت البنادق، لكن تقدم الدولة نحو الإصلاح والتنمية توقف أيضا. فالبلاد ممزقة بسياسات الهوية المثيرة للانقسام وشبكات المحسوبية. وتعثرت مسيرة البوسنة نحو الاندماج الأوروبي. وانتشر الفساد ودخل الاقتصاد دائرة الركود، وزادت معدلات هجرة الشباب، وأصبح عدد سكان البوسنة اليوم أقل مما كان عليه في نهاية الحرب. ويلقي الكثيرون باللوم على اتفاقية دايتون لتقاسم السلطة. فكل مؤسسة رئيسية مصممة لخدمة واحدة من المجموعات العرقية الرئيسية الثلاث المكونة للبلاد، بدلا من خدمة الشعب البوسني ككل. ولذلك، يوجد في البلاد ثلاثة رؤساء؛ وكيانان شبه مستقلين، هما اتحاد البوسنة والهرسك الذي يهيمن عليه البوشناق والكروات، والمقسم بدوره إلى عشرة كانتونات موزعة بين البوشناق والكروات، وجمهورية صربسكا التي يهيمن عليها الصرب؛ بالإضافة إلى مقاطعة مستقلة. كان المفترض أن يمنع نظام تقاسم السلطة العرقي هيمنة أي جماعة على الجماعات الأخرى وأن يفرض على الخصوم السابقين التعاون، لكنه أدى بدلا من ذلك إلى تعميق الاستقطاب السياسي الذي يعرقل كل محاولات التنمية. والحقيقة هي أن اتفاقيات دايتون لم تكن سوى نقطة انطلاق؛ فكما كتب الدبلوماسي الأميركي المخضرم ريتشارد هولبروك، الذي كان مسؤولا عن التوسط في الاتفاقيات، عام 1998: "ستحدد نتائج الجهود الدولية لتنفيذ دايتون مكانتها الحقيقية في التاريخ". بعد توقيع الاتفاق، كان من المفترض أن يتولى المشرفون الدوليون توجيه البلاد نحو الإصلاح. لكن اهتمامهم تضاءل على مدى العقدين الماضيين. وفي غيابهم، تعلمت الأحزاب القومية داخل البوسنة كيفية التحكم بالأمور. وبدأت مشكلات المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب في البوسنة مع الملحق الثالث لاتفاقية دايتون، الذي نص على إجراء انتخابات في غضون تسعة أشهر من توقيع الاتفاقية. وأدى هذا الجدول الزمني المضغوط إلى إجراء الانتخابات قبل أن تبدأ المجتمعات في المصالحة، وقبل محاسبة المسؤولين عن فظائع الحرب، وقبل أن تظهر أحزاب وبرامج سياسية فعّالة. وكانت النتيجة عودة قادة البوسنة في زمن الحرب، الذين كانوا لا يزالون يتمتعون بولاء عرقي ويسيطرون على وسائل الإعلام، إلى السلطة في خريف عام 1996. وقد رسخت عودتهم الانقسامات التي سادت زمن الحرب في أسس الدولة الجديدة بدلا من فتح النظام السياسي أمام فاعلين جدد. وقد افترضت بروكسل أنه حتى بدون تدخل خارجي، ستدفع جاذبية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي السياسيين في البوسنة إلى تولي زمام عملية الإصلاح. لكن بدلا من ذلك، تحول النظام السياسي في البوسنة إلى نظام قائم على المحسوبية. فازت الأحزاب القومية بالانتخابات عن طريق مقايضة الوظائف والعقود الحكومية بولاء الناخبين من داخل صفوفها العرقية، والذين يكافح الكثير منهم لكسب لقمة العيش في بلدٍ ظل معدل البطالة فيه من بين الأعلى في أوروبا لسنوات، حيث تجاوز في بعض الأحيان 30 %. كما لا تزال الشركات الخاصة تعتمد على العقود الحكومية، مما يزيد من ترسيخ التبعية للقوميين الذين استولوا في الأصل على مناصب السلطة. وصف مسؤول سابق في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا البوسنة بأنها "كرسي ثلاثي الأرجل"، حيث يدعم كل حزب عرقي النظام المختل نفسه الذي يدعمها جميعا. وتقول إليميرا بيرسلي مؤلفة كتاب "من الجانب الآخر من العالم: رواد أعمال استثنائيون، أماكن غير متوقعة" إن الأحزاب القومية استغلت اتفاقية دايتون لمصالحها الخاصة، مستخدمة حق النقض الممنوح للكيانين، والتجمعات العرقية، وأعضاء الرئاسة الثلاثية، لعرقلة أي حلول وسط وشل عملية صنع القرار على مستوى الدولة. كما ساهمت كرواتيا وصربيا المجاورتان في تأجيج هذا الاستغلال وتعميق الانقسامات السياسية من خلال دعمهما لقادة الجماعات الكرواتية والصربية داخل البوسنة. وتقول بيرسلي إن إحياء أهداف اتفاقية دايتون تتطلب استعادة النفوذ الدولي، ولا سيما نفوذ أوروبا على البوسنة، خاصة وأن اعتماد سراييفو على التمويل الخارجي يمنح الجهات الفاعلة الأوروبية، بالتعاون مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، القدرة على المطالبة بالمساءلة، بما في ذلك تعزيز القضاء، ومحاكمة نزيهة لجرائم الفساد، وإنفاذ الأحكام الصادرة عن المحاكم على مستوى الدولة. ولتشجيع هذه الممارسات، يمكن للجهات المانحة الدولية مكافأة البلديات التي تتبنى ميزانيات شفافة وتقدم خدمات فعالة للمواطنين، متجاوزةً بذلك سلطات الكيانات والمقاطعات التي تسيطر عليها الأحزاب القومية. كما يجب على الاتحاد الأوروبي الضغط على كرواتيا وصربيا للتوقف عن التعامل مع البوسنة كساحة نفوذ سياسي لهما. لقد رسّخ دعم صربيا لدوديك، ورعاية كرواتيا لدراجان كوفيتش، السياسي الكرواتي البوسني الذي شغل سابقاً مقعد الكروات في رئاسة البوسنة، حالة الخلل السياسي في البوسنة. وبدعم من زغرب، أعاد كوفيتش وحزبه إحياء الدعوات إلى إقامة كيان كرواتي منفصل، وهي خطوة من شأنها ترسيخ التقسيم العرقي، وتقويض ما تبقى من وحدة البوسنة. ورغم عيوبها، لا تزال اتفاقيات دايتون تتيح للبوسنة طريقا نحو الاستقرار السياسي، لكن إذا تقاعست أوروبا عن العمل على دعم هذه الاتفاقيات فقد تتعرض للتفكك، وعودة الديناميكيات التي صُممت اتفاقية دايتون لاحتوائها. وفي هذه الحالة لن تتوقف العواقب عند حدود البوسنة، إذ سيؤدي انهيار اتفاقيات دايتون إلى إضعاف النظام الأمني الأوروبي، ويعزز فكرة إمكانية تجاهل الاتفاقيات في القارة عندما يتعثر تنفيذها. أما إذا ضغطت أوروبا من أجل الإصلاح الآن، فلن يُساعد ذلك في منع تفكك البوسنة فحسب، بل سيثبت أيضاً أن القارة تمتلك الإرادة السياسية والقدرة على ضمان السلام في جوارها. تشييع ضحايا حرب البوسنة