في أحد مقاهي الشريك الأدبي بالرياض، لم يكن الحديث عن الإعلام مجرد نقاش ثقافي عابر، بل كان مواجهة هادئة مع سؤال كبير ظل مؤجلا طويلا وهو: هل ما نراه على الشاشات هو الواقع كما هو، أم صورة أعيد ترتيبها بعناية؟ هنا جاء طرح الدكتور مفرح الرشيدي، نجم الأمسية، ليعيد فتح هذا الملف عبر مفهوم «المرآة المكسورة»، الذي لا يتهم الإعلام بالكذب المباشر، بل يكشف آليته الأخطر: الانتقاء، الاختزال، وصناعة الزوايا، فالإعلام المعاصر لم يعد مجرد وسيط محايد، بل أصبح لاعبا أساسيا في تشكيل الإدراك الجمعي حيث الصورة تسبق الفكرة، والعنوان يسبق المعنى، والسرعة تسبق التحقق. وهكذا يتحول الحدث من واقعة موضوعية إلى نسخة إعلامية منتجة، تُستهلك بسرعة وتُنسى بسرعة أكبر. الأخطر في هذا التحول ليس تشويه الحقيقة فقط، بل تآكل قدرة الإنسان على السؤال، فحين يفقد المتلقي حس النقد، يتحول من مشارك في الفهم إلى مستهلك للرسائل، ومن عقل فاعل إلى وعي مدار، وهنا ينتقل الإعلام من كونه مرآة للواقع إلى أداة لإعادة تشكيله. كما أن هذا التحول الإعلامي يفرض مسؤولية جديدة على النخب الثقافية والمؤسسات الأكاديمية، ليس فقط في النقد، بل في إنتاج نماذج بديلة للمحتوى الرصين، القادر على الجمع بين الجاذبية والأساس المعرفي، وبين الانتشار الواسع والرسالة التنويرية. ويبقى الرهان الحقيقي على جيل جديد من الإعلاميين والمتلقين معا، جيل لا يكتفي بالاستهلاك، بل يسعى للفهم، ولا ينجرف خلف الضجيج، بل يبحث عن المعنى وسط ازدحام الأصوات والصور. لكن هذا المشهد لا يعني الاستسلام، فقد أعادت الجلسة العامة في أمسية الرشيدي التذكير أن الإعلام يمكن أن يستعيد دوره التنويري إذا أعاد ترتيب أولوياته. فالقضية ليست في المنصات ولا في التقنيات، بل في الفلسفة التي تحكم استخدامها، وفي القيم التي تقود المحتوى. الإعلام المسؤول هو الذي يرفض أن يكون مجرد مصنع انتباه، ويصر على أن يكون مساحة معرفة، إعلام يحترم عقل جمهوره، لا يطارده بالضجيج، بل يدعوه للتفكير، إعلام لا يكتفي بأن يشاهد، بل يناقش ويسأل. * بصيرة: ربما لا نستطيع إصلاح المرآة الخارجية بسهولة، لكننا نستطيع أن نبدأ من الداخل، من عقل يسأل، ووعي يرى أبعد من الشاشة، هناك فقط يبدأ التغيير الحقيقي.