الخبرة قد تتحوّل من قيمة مضافة إلى عائق صامت ففي سوق العمل كثيراً ما تُستدعى كلمة الخبرة بوصفها المعيار الأسمى للكفاءة وتُرفع كراية تبرر الاختيار والترقية والتكليف حتى بات طول البقاء في المنصب يُعامل في بعض البيئات كدليل تلقائي على الجدارة وثباتها غير أن هذا التصور على شيوعه يطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله: هل الخبرة دائماً هي المؤشر على التميز؟ أم أنها قد تتحول في بعض الحالات إلى غطاء مريح لغياب التطور وضمان المنصب؟ مع مرور الوقت نلاحظ وجود قيادات وأسماء وظيفية ثابتة منذ سنوات طويلة في نفس المنصب بينما بقيت المخرجات ذاتها والقرارات تُدار بذات المنهج وكأن الزمن توقف عند أول نجاح تحقق في الماضي هؤلاء يملكون سنوات طويلة لكن القيمة المضافة تتضاءل فهم يكررون الأدوات نفسها ويواجهون تحديات اليوم بعقلية الأمس في وقت يتغير فيه سوق العمل بوتيرة متسارعة، وفي المقابل تظهر نماذج أخرى لأفراد لم تطُل سنواتهم الوظيفية بل بعضهم حديث التخرج إلا أن اداءهم كان أكثر عمقاً ووعيهم المهني أكثر نضجاً استثمروا فرص التعلم وانفتحوا على النقد وطوّروا أدواتهم باستمرار فكان أثرهم أوضح وقدرتهم على الإضافة أعلى رغم قصر المسار الزمني مقارنة بغيرهم ، فالخبرة في جوهرها يجب أن تُقرأ بأنها ليست شهادة ميلاد وظيفية ولا رصيداً يُصرف بلا مراجعة. هي طاقة معرفية متجددة تقوم على الفهم والتحليل وإعادة التعلّم وحين تتوقف الخبرة عن التجدد تتحول تدريجياً إلى عبء لا على صاحبها فحسب بل على المؤسسة بأكملها وعلى من يحاولون اثبات كفاءتهم بتمكينهم ودخولهم لسوق العمل، فمن أخطر ما تواجهه بعض بيئات الاعمال هو تقديس الخبرة الزمنية على حساب الخبرة النوعية فكم من صاحب سنوات طويلة أصبح بقصد او دونه عائقاً أمام التغيير وكم من كفاءة شابة حُرمت من الفرصة لأنها لم تستوفِ شرط السنوات رغم امتلاكها أدوات العصر ومتطلبات العمل ومهارات كثيرة تختصر السنوات التي يُنظر إليها كمعيار عند بعض القادة وعند بعض اصحاب قرار التوظيف والمؤسسات التي تربط قيمتها بمن مضى فيها أكثر من غيره تخاطر بفقدان روح التجديد بينما تلك التي تزن الأثر قبل العمر او الخبرة المرتبطة بعدد السنوات وتُقيم الأداء قبل الأقدمية هي الأقدر على التطور والاستدامة فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الملفات التي أُغلقت بل بعدد الحلول التي ابتُكرت وأصبحت كدليل استرشادي يتم الرجوع إليه ولا تُقاس بسنوات الخدمة بل بحجم النمو الذي أحدثه الفرد في نفسه وفي من حوله وفي منظمته التي يعمل بها، إن أخطر ما يمكن أن يصيب مفهوم الخبرة هو أن يتحول إلى مبرراً للبقاء في المكان ذاته لا إلى حافز للتقدم خطوة أبعد ومن هنا تصبح الحاجة ملحّة لإعادة تعريف هذا المفهوم في سوق العمل السعودي بما ينسجم مع طموحات التطوير ومتطلبات التنافسية وروح التحول التي تعيشها المملكة. فالخبرة الحقيقية ليست لمن أمضى عشرين عاماً في الوظيفة نفسها بل لمن جعل عاماً واحداً مساحة لعشرين تجربة وتعلّم ومراجعة وأثر، فالقيمة ليست في طول البقاء بل في الأثر من هذا البقاء والتاريخ المهني لا يُكتب بعدد السنين بل بنوعية الأثر الذي يتركه صاحبه في مسيرته ومحيطه وفي المنظمة، كما أن أدبيات الإدارة الحديثة تشير إلى أن الخبرة لا تُقاس بالمدة الزمنية بقدر ما تُقاس بقدرة الفرد على التعلم والتكيف وإنتاج قيمة مضافة فقد ميّز بيتر دراكر بين "العمل لسنوات" و"العمل بفاعلية" معتبراً أن الأداء هو المعيار الحقيقي للحكم على الكفاءة لا طول الخدمة ويؤكد كريس أرجيريس في نظريته حول التعلم التنظيمي أن المؤسسات التي لا تراجع خبراتها ولا تسمح بتحدي الافتراضات القائمة تتحول خبراتها المتراكمة إلى أنماط جامدة تعيق التطوير بدل أن تدعمه وفي السياق ذاته يربط غاري هامل بين التنافسية واستمرارية التعلم مشيراً إلى أن الميزة الحقيقية لا تتحقق بمن يعرف ما كان بل بمن يتعلم ما سيكون ومن هنا فإن إعادة النظر في مفهوم الخبرة في سوق العمل السعودي لم تعد خياراً تنظيمياً بل ضرورة إدارية تفرضها متطلبات الإنتاجية ورفع كفاءة رأس المال البشري والانتقال من ثقافة الأقدمية إلى ثقافة الأداء والأثر والمهارة بما ينسجم مع مستهدفات التحول المؤسسي والتنمية المستدامة.