يعد يورغن هابرماس من أبرز فلاسفة الاجتماع والنظرية النقدية في العصر الحديث، ومن أبرز اهتماماته الفلسفية مفهوم (الرأي العام) وكيفية تشكيل وجهات النظر واتخاذ القرارات في المجتمعات الحديثة. ركز هابرماس على ظاهرة تشكل الرأي العام بوصفها عملية اجتماعية تواصلية، لا مجرد تجميع آراء فردية، وقال: إن الرأي العام يتكون داخل (فضاء عام) يقوم على النقاش العقلاني الحر بين المواطنين حول القضايا المشتركة. واهتم بتحليل الدور الذي يلعبه التواصل الشخصي في الأماكن العامة، بالإضافة إلى دور المؤسسات الإعلامية في تنظيم هذا النقاش، وفي تمكين المجتمع من مراقبة القوى السياسة والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، سعى هابرماس إلى بناء تصور نظري يربط بين جودة التواصل العام، وشرعية القرار السياسي، وإمكانية تحقق توافق قائم على المشاركة والنقاش النقدي. قدم هابرماس نظريته في الفضاء العام public sphere في كتابه المعروف بعنوان (التحول البنيوي للفضاء العام)، حيث سعى إلى تحليل نشأة الفضاء العام في أوروبا الحديثة، وخاصة في القرن الثامن عشر. وقال: إن الرأي العام لم يكن مجرد مجموعة آراء فردية متناثرة، بل نتاج تفاعل اجتماعي منظم يجري في فضاء وسيط بين الدولة والمجتمع، يسمح للأفراد بمناقشة الشؤون العامة على أساس عقلاني ونقدي. وأضاف أن المقاهي والنوادي الأدبية بالإضافة إلى الصحافة لعبت جميعها أدواراً مهمة في هذا المجال. فقد رأى هابرماس أن المقاهي، والجرائد، والنوادي الأدبية في أوروبا في القرن الثامن عشر أدت دوراً محورياً في نشأة ما أسماه (الفضاء العام البرجوازي)، وهو فضاء اجتماعي رمزي مستقل نسبياً عن الدولة والسوق، يلتقي فيه الأفراد بوصفهم مواطنين عاديين، ويتبادلون الآراء عبر نقاش عقلاني نقدي حول الشأن العام. فالمقاهي لم تكن مجرد أماكن ترفيه، بل ساحات حوار مفتوح تتداول فيها الأفكار السياسية والثقافية، بينما شكلت الصحف وسيطاً مركزياً لنشر المعلومات وتعميم النقاش وربط الحوارات المحلية بمجال أوسع من الرأي العام. غير أن تصور هابرماس للفضاء العام لم يسلم من الانتقادات. فقد أشار عدد من الباحثين إلى طابعه المعياري والمثالي، إذ يفترض شروطاً يصعب تحققها عملياً، مثل المساواة التامة بين المشاركين وغياب علاقات القوة. كما انتقد باحثون آخرون مفهوم (الفضاء العام) عند هابرماس لعدم شموله الكثير من فئات المجتمع، فقد استبعد النساء والطبقات الشعبية والأقليات، فهو في الأساس يعبر فقط عن تجربة الرجال البيض من الطبقة الوسطى في أوروبا. كذلك اتصف منظور هابرماس للرأي العام بتركيزه الكبير على دور العقلانية في الخطاب، وإهماله للأبعاد العاطفية والرمزية في تشكيل الرأي العام. وفي عصرنا الحالي، ومع التحولات الكبرى التي أحدثها الإعلام الرقمي، ظهرت دراسات لمفهوم الفضاء العام في سياق جديد. فقد أدى انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي إلى تفكك نموذج الفضاء العام الواحد، وظهور فضاءات عامة متعددة، متداخلة، وسريعة التحول. فمن جهة، وفرت البيئة الرقمية فرصاً أوسع للتعبير والمشاركة، وكسرت احتكار النخب التقليدية للنقاش العام. ومن جهة أخرى، أفرزت تحديات جديدة، مثل التنافر الحاد بين المستخدمين، وتشكيل مجموعات نقاش منغلقة على نفسها، وهيمنة المنصات التجارية، وانتشار المعلومات المضللة، وهي كلها عوامل تتنافى مع شروط النقاش العقلاني التي افترضها هابرماس. في ضوء ذلك، لم يعد مفهوم الرأي العام عند هابرماس يستخدم بوصفه وصفاً واقعياً دقيقاً، بقدر ما يفهم الآن كإطار معياري نقدي يمكن من خلاله تقييم جودة التواصل العام، وقياس مدى انفتاح الفضاءات الإعلامية، سواء التقليدية أو الرقمية.