يمر اليمن، وبالأخص الجنوبي منه، بمرحلة دقيقة وحساسة تجتمع فيه كل التحديات السياسية، مع المخاطر الأمنية، في لحظة تتطلب أعلى درجات المسؤولية الوطنية ووضوحاً كاملاً مع الرأي العام، وقرارات شجاعة يكون هدفها الأول والأخير حماية المواطن اليمني وصون الأمن والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع انزلاق المناطق اليمنية نحو طرق الفوضى والصراع الداخلي. ولقد خرجت خلال الأيام الماضية تطورات متسارعة أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة السلوك السياسي والعسكري لعيدروس الزبيدي وحول الأثر الذي تركته ممارساته على واقع اليمن ومستقبل الجنوب وقضيته العادلة حيث لم تعد الأزمة محصورة في خلافات سياسية عابرة بل تحولت إلى أزمة ثقة عميقة بين الخطاب المعلن والممارسات الفعلية على الأرض. عدن والضالع في قلب التوتر.. الدولة تتحرك لإفشال مخططات زعزعة الاستقرار موقف الزبيدي من الدعوة الرسمية وتبدأ قراءة هذه التطورات من موقف الزبيدي من الدعوة الرسمية التي وجهتها له قيادة تحالف دعم الشرعية، للقدوم إلى المملكة العربية السعودية والجلوس مع فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، وقيادة التحالف لمناقشة أسباب التصعيد والعمل على احتواء الأزمة عبر الحوار السياسي، فبرغم ترحيبه العلني بالدعوة وتأكيده الاستعداد للحضور في موعد محدد إلا أن عدم التزامه الفعلي بالحضور دون تقديم مبررات واضحة عكس تناقضاً صريحاً بين القول والفعل وطرح علامات استفهام جدية حول صدق نواياه في الخروج من الأزمة بشكل سلمي. هذا السلوك لم يكن معزولاً عن سياقه بل تزامن مع خطوات ميدانية تصعيدية كشفت أن خيار القوة ظل حاضراً في حساباته ففي التوقيت ذاته أقدم على تحريك وحدات عسكرية كبيرة من معسكري حديد والصولبان باتجاه محافظة الضالع شملت مدرعات وآليات قتال وأسلحة ثقيلة وخفيفة وهو ما يتجاوز أي مبررات أمنية معتادة ويعكس توجهاً لفرض وقائع جديدة بالقوة أو التلويح بها. ولم تتوقف ملامح التصعيد عند هذا الحد بل امتدت إلى الداخل العدني حيث جرى توزيع أسلحة وذخائر داخل مدينة عدن على عناصر مسلحة يقودها مؤمن السقاف ومختار النوبي وهو تطور بالغ الخطورة نقل التوتر من إطاره السياسي والعسكري العام إلى تهديد مباشر لأمن المدنيين واستقرار المدينة التي تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وأوضاع معيشية صعبة بسبب تصرفات المجلس الانتقالي وإدارته لها. عسكرة المدن والفوضى إن عسكرة المدن وإدخال السلاح إلى الأحياء السكنية لا يمكن قراءته إلا بوصفه سعياً لإحداث اضطرابات أمنية وخلق حالة من الفوضى الأمر الذي يتناقض مع أي ادعاءات بحماية الجنوب أو الدفاع عن قضيته كما أنه يعمق الانقسام بين المكونات الجنوبية نفسها ويغذي مشاعر الخوف والريبة بدلاً من تعزيز الثقة والشراكة. وفي موازاة ذلك تكشف قراءة أوسع لمسار عيدروس الزبيدي عن إساءات بالغة لحقت بالقضية الجنوبية العادلة حيث جرى توظيفها خلال السنوات الماضية لتبرير انتهاكات جسيمة طالت المدنيين في عدد من المحافظات الجنوبية وأدت إلى الإضرار بالمركز السياسي والاقتصادي للجمهورية اليمنية وحرفت القضية عن مسارها الوطني الجامع. إثارة الفتنة الداخلية وقد أسهمت قراراته وممارساته في إحداث اضطرابات أمنية متكررة داخل محافظات الجنوب وعرقلة جهود الدولة في مواجهة الانقلاب والتمرد كما ساهمت في إثارة الفتنة الداخلية ووقوع انتهاكات جسيمة بحق مواطنين أبرياء في مخالفة صريحة للسلطات الدستورية والقانونية وهو ما جعل مسألة مساءلته القانونية أمراً واجباً لا خياراً سياسياً. وتشير الوقائع القانونية إلى أن الأفعال المنسوبة له تندرج ضمن جرائم جسيمة يعاقب عليها قانون الجرائم والعقوبات اليمني وتشمل المساس باستقلال الجمهورية وتشكيل جماعات مسلحة خارج إطار الدولة والضلوع في أعمال قتل استهدفت ضباطاً وجنوداً من القوات المسلحة إلى جانب مخالفات جسيمة لقانون محاكمة شاغلي الوظائف العليا من خلال خرق الدستور ومخالفة القوانين النافذة والمساس بسيادة واستقلال البلاد. خطوات الدولة لحماية المدنيين وفي ظل هذه المعطيات جاءت خطوات الدولة وقيادة التحالف لدعم الشرعية، لتؤكد نهجاً مغايراً يقوم على الاحتواء والردع المتوازن وحماية المدنيين فقد طلب تحالف الشرعية من نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي التنسيق مع قوات درع الوطن لفرض الأمن في عدن ومنع أي اشتباكات محتملة وهو ما عكس حرصاً واضحاً على تجنيب المدينة سيناريوهات العنف والفوضى. كما جرى بالتنسيق مع الحكومة اليمنية والسلطات المختصة تنفيذ ضربات استباقية محدودة استهدفت القوات التي تم تحريكها إلى محافظة الضالع بعد رصد تمركزها بالقرب من معسكر الزند وهي خطوات وقائية هدفت إلى تعطيل التحركات العسكرية ومنع توسيع دائرة الصراع دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. هذه المقاربة تعكس قناعة راسخة لدى التحالف والحكومة الشرعية بأن حماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار يتقدمان على أي اعتبارات أخرى وأن العبث بأمن المحافظات الجنوبية لن يمر دون رد في الوقت الذي يظل فيه باب الحوار مفتوحاً أمام أي مسار جاد ومسؤول. وفي هذا الإطار صدر قرار فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من مجلس القيادة استناداً إلى الصلاحيات الدستورية والقانونية الممنوحة له وتأكيداً على سيادة القانون وحرصاً على أمن المواطنين كافة وصوناً للقضايا العادلة وفي مقدمتها القضية الجنوبية. الهيمنة على القرار السياسي كما كشف ما سمي بالإعلان الدستوري الذي أصدره الزبيدي عن نزعة فردية للهيمنة على القرار السياسي من خلال تنصيب نفسه رئيساً دون أي مستند شرعي أو توافق وطني وهو ما عكس بوضوح أن القرارات الأحادية التي اتخذها لم تكن تهدف إلى إيجاد حل عادل للقضية الجنوبية بل إلى تحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة. وتظهر هذه الممارسات أنه سعى إلى استغلال القضية الجنوبية والمزايدة بها وإقصاء المطالب الحقيقية لأبناء محافظات محورية وفي مقدمتها حضرموت الأمر الذي أضر بالقضية وأفقدها الكثير من المكاسب التي تحققت عبر مسارات وطنية معترف بها مثل مخرجات الحوار الوطني الشامل واتفاق الرياض وقرار نقل السلطة. إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في تداعياته الأمنية والسياسية بل في أثره العميق على النسيج الاجتماعي الجنوبي حيث أسهم في تعميق الانقسامات وأفقد القضية بعدها الجامع الذي كان يفترض أن يكون عامل توحيد لا أداة صراع. إطار وطني جامع وفي المقابل تؤكد الدولة اليمنية وقيادة مجلس القيادة الرئاسي التزامها بحماية القضية الجنوبية ضمن إطار وطني جامع يضمن حقوق جميع أبناء الجنوب دون استثناء ويصونها عبر مؤسسات شرعية ومرجعيات دستورية وقانونية بعيداً عن النزعات الفردية والمشاريع الضيقة. ويبقى الرهان الحقيقي في هذه المرحلة على وعي الشارع اليمني وقدرته على التمييز بين من يعمل من أجل قضيته بمسؤولية ومن يوظفها لتحقيق مصالحه الخاصة فمستقبل الجنوب واستقراره لا يمكن أن يبنيا على السلاح والفوضى بل على احترام القانون وتغليب المصلحة العامة والسير في مسار سياسي يعزز الأمن والعدالة والكرامة لجميع المواطنين. وفي ظل هذه المعطيات يجب إعادة تصويب البوصلة الوطنية وإعلاء صوت الحكمة والعمل على تحصين الجنوب من الانزلاق نحو صراعات داخلية جديدة قد يدفع ثمنها الأبرياء وتبدد ما تبقى من فرص الاستقرار والسلام في اليمن وهو ما يجعل من هذا المنعطف اختباراً حقيقياً للجميع بين من يختار الدولة ومن يراهن على الفوضى. إسقاط عضوية الزبيدي في «مجلس القيادة» لارتكابه الخيانة العظمى