مع اقتراب مواسم الاختبارات، تبدأ الأنظار بالاتجاه نحو الطلاب وما يواجهونه من ضغوط نفسية وتحديات دراسية وصعوبات مختلفة، غير أن المشهد الكامل يتجاوز حدود قاعة الاختبار ليشمل الأسرة، والبيئة المحيطة، وطبيعة الوعي التربوي السائد، إن الاختبارات في حقيقتها، ليست مجرد أوراق وأسئلة، بل هي مواقف إنسانية تكشف مدى نضج التجربة التعليمية التي مر بها الطالب خلال أوقات الدراسة، لقد عرفت المجتمعات البشرية التقييم منذ بدايات التعليم، حيث كان الطالب يُقاس علمه بالفهم والحوار والمناقشة، لا بالحفظ المؤقت، ولكن مع تطور النظم التعليمية الحديثة التي تحولت فيها الاختبارات إلى أدوات معيارية لقياس التحصيل وتحديد المستويات، إلا أن الإشكال لم يكن يومًا في وجود الاختبار، بل في طريقة الاستعداد له؟! وهل هو استعداد يقوم على الفهم والطمأنينة؟ أم أنه قائم على الخوف والضغط النفسي والعقلي؟ إن الاستعداد الحقيقي للاختبارات لا يبدأ قبلها بأيام، ولا ينتهي بانتهائها، بل هو مسار طويل يتشكل من العادات اليومية، ونمط التربية، وطريقة تعامل الأسرة مع التعليم، إن الطالب الذي ينشأ في بيئة تحترم جهده، وتفصل بين قيمته الشخصية ونتيجته الدراسية، بحيث يدخل قاعة الاختبار بكل ثقة واتزان، لأنه يدرك أن الخطأ جزء من التعلم، لا نهاية الطريق، في المقابل، يعاني عدد من الطلاب من قلق شديد لا يرتبط بصعوبة المناهج بقدر ما يرتبط بالخوف من الفشل أو المقارنة المستمرة أو الضغط الأسري، إذ يؤكد مختصون أن هذا القلق قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل ضعف التركيز والتشتت الذهني، مما يؤثر سلبًا على الأداء، حتى لدى الطلاب المجتهدين، وهنا يبرز دور الأسرة، وبخاصة أولياء الأمور، بوصفهم الشريك الأول في بناء الاستعداد النفسي والعلمي للطالب، وذلك عن طريق عدة أمور من تهيئة بيئة منزلية هادئة، إلى تنظيم أوقات المذاكرة، واحترام الفروق الفردية بين الأبناء، وتقديم الدعم النفسي قبل التركيز على النتائج، تلك العوامل تصنع فارقًا حقيقيًا في تجربة الاختبار، إذ تشير التجارب التربوية إلى أن الطالب الذي يشعر بالأمان والدعم يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات بثبات، ويرى تربويون آخرون أن الاستعداد المتوازن يقوم على عدة أبعاد وهي، البعد النفسي الذي يخفف القلق ويعزز الطمأنينة، والبعد العقلي الذي يركز على الفهم، والربط والتحليل بدل الحفظ المجرد، والبعد السلوكي الذي يشمل تنظيم النوم وإدارة الوقت وتقليل المشتتات، وعندما تتكامل هذه الأبعاد، يتحول الاختبار من مصدر توتر إلى فرصة لإظهار الجهد الحقيقي، ومع تزايد الاهتمام بالجانب الإنساني في العملية التعليمية، إن التعليم في جوهره، ليس سباقًا قصير المدى، بل هو رحلة طويلة تصنع الإنسان قبل الشهادة، ومع اقتراب الاختبارات، تبقى الرسالة الأهم أن الطالب ليس رقمًا في كشف الدرجات، بل هو إنسان يحتاج إلى فهم واحتواء ودعم، وعندما تتحول الاختبارات من هاجس إلى محطة تقييم هادئة، نكون قد أسهمنا في بناء جيل أكثر وعيًا واتزانًا، وهو الهدف الأسمى لأي منظومة تعليمية تسعى إلى النجاح الحقيقي. ماجد عايد خلف العنزي