مهما كانت الصداقة والتفاهم بين الدول إلا أن الاختلافات والفروق تظل عاملًا مهمًا في تقدير المواقف وصنع القرارات وتعريف الاختلافات، فالهوس بقصص النجاح التي يرويها جيران الجزيرة العربية لا تغيّر من الواقع الاستراتيجي شيئاً؛ فهي قصص متداولة في كثير من الدول، أما القصة الحقيقية فهي «أن الفضاء الاستراتيجي لمملكة الثلاثة بحار خط أحمر تتكسر أمامه كل القيود».. هذا العنوان يختصر قصة المملكة العربية السعودية وهي الأكبر في الجزيرة العربية، هذه المملكة عمرها ثلاثة قرون دولة عربية مسلمة تتوسطها مكةالمكرمة قبلة المسلمين، وهذا سر من أسرار مكانتها في قلب كل مسلم على هذه الأرض، المسلمون في العالم يحبون هذه المملكة لأسباب كثيرة فهي قبلة المسلمين وقائدة العالم العربي وحجر الزاوية في الشرق الأوسط ومفتاح الاقتصاد الدولي في الطاقة، هذه المملكة: المسلم يحبها والعربي يحبها والعالم يحبها ليس لسبب واحد بل لكثير من الأسباب، من يكره نجاح هذه المملكة وتفوقها فهو أحد ثلاثة: إما كاره للإسلام والمسلمين، أو كاره للعرب، أو كاره للإنسانية. هذه المملكة أسسها شعب أصيل في عروبته وإسلامه وأصالته تضامن مع قيادته منذ مئات السنين فشكل هذه المملكة التي تحيطها ثلاثة بحار، بينما هي تسكن الجزء الأكبر من جزيرة العرب، نعم جزيرة العرب هذا هو اسمها بكل ما يحمله من دلالة، فعبر السنوات تشكلت هذه الدولة السعودية على قيم أساسية أصيلة، وعبر التاريخ لم تكن هذه الجزيرة مسرحا لتبني الأفكار أو الأيديولوجيات أو المشروعات المشبوهة، لقد ظل النقاء يحميها ويصونها، لذلك كتب التاريخ في الجزيرة العربية كيف أن مملكة البحار الثلاثة -المملكة العربية السعودية- بتجاربها السياسية والقيمية والأخلاقية تحولت إلى منصة تاريخية كبرى تعلمت منها الدول المحيطة بها كيف تصمد في الأزمات، وكيف تتحدث في المهمات، وكيف تفي بالعهود، وكيف تعرف معنى الشراكة في التحالفات. قدر المملكة العربية السعودية أن تكون هي الأخ الأكبر لكل المحيطين بها، فهي أخ أكبر ليس للمحيطين بجزيرة العرب على الخليج العربي فقط، بل هي أخ أكبر لكثير من دول العالم العربي شمالا وجنوبا، وهي أخ أكبر يعتز به العالم الإسلامي أجمع فهي بلد الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، لقد أثبتت السعودية عبر التاريخ أنه لا أحد يتمنى أن يكون أمامها في مواجهة أو حوار ضدها فحتى ألد أعداء السعودية يتمسكون بها ولا يريدون أن يروا الأبواب مغلقة أمامهم في السعودية، قيمة السعودية التاريخية ليست من صنع الإعلام أو من فيض الاقتصاد؛ قيمة السعودية عربيا وإسلاميا ودوليا صعنت بمهارة قيادتها وكفاءة سياستها وإخلاص شعبها. هذه الدولة بعمقها وتاريخها الكبير تعرف معنى الحليف والشريك والصديق والموالي وغيرها الكثير من القيم، فثلاثة قرون من التجارب السياسية والتعاملات الدولية تركت خلفها مملكة راسخة في تجربتها وقيمها، ولذلك فإن قضية اليمن وما دار حولها ليست سوى تجربة ضمن عشرات التجارب السياسية التي خاضتها المملكة العربية السعودية عبر ثلاثة قرون مضت. هذه التجربة السياسية دخلتها السعودية وهي تدرك بعمق كيف تتصرف، وكيف يجب أن يتصرف كل من يرى في نفسه شريكا في هذه القضية من أجل استعادة الاستقرار في دولة تشكل خاصرة الجزيرة العربية، فالسعودية تدرك ماذا يعنى أن يكون هناك مشكلات في خاصرة الجزيرة العربية، وتدرك أن مسار الحلول لمشكلة اليمن مسار لا يقبل المهادنة بل يتطلب الصلابة، فالقضية تحدث على حدود المملكة العربية السعودية. هنا تأتي المعادلة الاستراتيجية للسعودية وكيفية فهمها، فالدول الكبيرة في مساحتها وجغرافيتها هي من يضع أمنها الاستراتيجي في مقدمة أولوياتها، وهي فقط من يمتلك القدرة المباشرة على تقدير الاختلافات في محيطها الاستراتيجي، عبر معادلة سياسية ثابتة يدركها الجميع، فكلما كبر حجم الدولة التاريخي ومساحتها الجغرافية كان عمقها الاستراتيجي أبعد من حدودها الجغرافية بكثير، ولذلك تدفع الدول الكبيرة في العالم -ومنها السعودية- ثمن كبر حجمها سياسيا وثقافيا واجتماعيا وتنافسيا، كونها مسؤولة عن كل سلوك استراتيجي غير محسوب يمكنه أن يؤثر على الجميع دون استثناء. الدول لا تصنعها دول أخرى مهما كانت قوة تلك الدول أو تأثيرها، الدول تصنع بجغرافيتها وتاريخها وشعبها، أما خلاف ذلك فكله محاولات لا تلبث أن تنكشف وتزول وتعود المياه إلى مسارها الطبيعي، شراكة الدول وتحالفاتها تعتمد وبشكل كبير معايير الاختلافات بين الدول فقيم أي شراكة سواء عسكرية أو سياسية أو اقتصادية تخضع لمعايير التساوي حيث لا يمكن معادلة دولة بملايين الكيلومترات وملايين السكان بدول أقل بمئات المرات. وهنا يأتي التوازن الاستراتيجي بين الدول؛ فمهما كانت الصداقة والتفاهم بين الدول إلا أن الاختلافات والفروق تظل عاملًا مهمًا في تقدير المواقف وصنع القرارات وتعريف الاختلافات، فالهوس بقصص النجاح التي يرويها جيران الجزيرة العربية لا تغيّر من الواقع الاستراتيجي شيئاً؛ فهي قصص متداولة في كثير من الدول، أما القصة الحقيقية فهي "أن الفضاء الاستراتيجي لمملكة الثلاثة بحار خط أحمر تتكسر أمامه كل القيود".