في مشهد يطل على أكبر روافد وادي حنيفة، لا يقدم «منزال» نفسه بوصفه فعالية موسمية عابرة، بل مساحة ثقافية مفتوحة تعيد وصل الإنسان بالمكان، حيث تتحول الطبيعة إلى سرد، والحرفة إلى لغة، والذاكرة إلى ممارسة حية تُعاش ولا تُختزل في العرض. ضمن برامج موسم الدرعية 25 / 26، يعود «منزال» ليحتفي بالإرث الطبيعي والإنساني للدرعية التاريخية، مستلهمًا تفاصيل الحياة التقليدية وقيم الضيافة السعودية الأصيلة، في تجربة تستقبل زوارها يوميًا من الساعة الخامسة مساء، وتقدم قراءة معاصرة لروح المكان، تحافظ على الهدوء والعمق بوصفهما مدخلين لفهم التاريخ. ويتوزع البرنامج على أربع مناطق رئيسة، تعكس المكانة الحضارية للدرعية بوصفها مهدًا للثقافة السعودية، حيث تتكامل التجارب بين الحِرفة، والمعرفة، والطبيعة، ومهارات البادية. وتبرز منطقة «العلوم» بوصفها مساحة للتعلم والممارسة، تُعرف الزوار بصناعات تقليدية مثل السجاد والجلود والأخشاب، فيما تحضر منطقة «سلوم» كفضاء يستعيد طقوس القهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وإشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، بوصفها ممارسات يومية شكلت الوعي الاجتماعي للمكان. وفي تفاصيل الحرف، تتجلى الذاكرة الإنسانية بوصفها جوهر التجربة. ففي قسم السجاد، حضرت الخالة رشيدة الرشيدي وهي تعلم الفتيات حياكة السجاد، مستندة إلى خبرة تمتد لثلاثين عامًا، تنقل خلالها الحرفة بوصفها فعل صبر وتراكم، حيث تتعلّم الأيدي الإصغاء للخيط قبل أن تشده، وتحمل كل عقدة أثر زمن طويل من التعلم والممارسة. وفي قسم الجلود، قدمت ندى سمان تجربتها في صناعة الجلود، بخبرة تمتد لسبع سنوات، عرفت الزائرات بأساسيات الحرفة بوصفها علاقة واعية بين الإنسان والمادة، حيث يتحول الجلد من خامة صامتة إلى شكل يحمل أثر اليد وذاكرة الاستخدام. وتتسع التجربة لتشمل مهارات البادية بوصفها جزءًا من الوعي الثقافي؛ إذ خُصصت منطقة مستقلة للخيول تتيح للزوار معايشة الفروسية كقيمة ثقافية قديمة، تقوم على الثقة والانسجام والانضباط، فيما جاءت منطقة السهام كفضاء منفصل لممارسة الرماية، في استعادة رمزية لفنون التركيز والدقة والصبر، بوصفها مهارات ذهنية ووجدانية قبل أن تكون ممارسة جسدية. ويكتمل المشهد عبر تجربة الصقارة التي تعرف الزائر بفنون الصيد بالصقر العربي، إلى جانب تجربة «المشرف» التي تفتح نافذة للتأمل في سماء الدرعية الصافية، حيث يتحول الفلك إلى لحظة إنصات للكون، ويمنح المكان بعدًا هادئًا يعيد الإنسان إلى إيقاع الطبيعة. وتستمد التجربة عمقها من وادي صفار، بما يحمله من قيمة جيولوجية وتاريخية، إذ شكل عبر العصور مصدر استقرار ودعم للزراعة والمساكن على ضفاف وادي حنيفة، وفضاء للتنزه والاستجمام، إضافة إلى أهميته الاستراتيجية بوصفه أحد خطوط الدفاع في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهدًا على تاريخ لا يزال حاضرًا في الوجدان. في «منزال»، لا تُستعاد الدرعية بوصفها أثرًا جامدًا، بل ككائن حي يتنفس عبر الحرف والمهارات، والعلاقة المتجددة مع الطبيعة. تجربة تُعيد طرح سؤال الثقافة بوصفها ممارسة يومية، وتؤكد أن ما يبقى من المكان هو ما نتعلمه فيه، وما نلمسه بأيدينا، وما نحمله معنا كذاكرة حية.