وجه الأستاذ حسين الرقيب في مقاله "التستر التجاري الجديد" الأنظار إلى إشكالية حقيقية في ملف التستر والاستثمار الأجنبي، وفتح باب النقاش حول الممارسات التشغيلية وانعكاساتها على السوق. غير أن القراءة من واقع الممارسة العملية تشير إلى أن المشكلة أعمق، إذ ترتبط بطبيعة الأنشطة التي وُجّه إليها الاستثمار الأجنبي، وبالآثار الهيكلية التي ترتبت على ذلك داخل السوق. وتمثل أول أوجه الخلل في توجُه الاستثمار الأجنبي نحو أنشطة لا يُتوقع منها تحقيق قيمة اقتصادية عالية، وعلى رأسها أنشطة الجملة والتجزئة التقليدية. فهذه الأنشطة، بطبيعتها، لا تسهم في رفع الاقتصاد أو خلق قيمة مضافة مستدامة، مما يستدعي توجيه الاستثمار الأجنبي نحو قطاعات ذات أثر تنموي أعلى، ونشاطات يحتاج السوق إلى بناء أُسسها وتطويرها، لخلق قيمة اقتصادية حقيقية ومستدامة. وأظهرت تجربة تصحيح أوضاع المنشآت المتسترة هذا الخلل بوضوح، إذ بينت فترات السماح والإفصاح أن جزءًا كبيرًا من قطاع الجملة والتجزئة كان خاضعًا للتستر سابقًا، وأن كثيرًا من هذه الكيانات انتقل لاحقًا للعمل تحت غطاء استثماري نظامي. وبذلك تغيّر الإطار القانوني، دون أن يواكبه تحولا مماثلا في الواقع التشغيلي، ما يشير إلى أن التحول الجوهري الذي كان مأمولًا من برامج التصحيح لم يتحقق بالصورة المرجوة. ولم يقتصر هذا التحول على الإطار النظامي فحسب، بل امتد إلى أبعد من ذلك، إذ يُلاحظ نمو السجلات الخليجية في هذا القطاع، ويعد هذا بعدًا إضافيا عند ملاحظة أن بعض هذه الكيانات، رغم أنها تحت مظلة الاستثمار الخليجي، لا تدار من الداخل، بل تُتابع من خلال فرق تشغيلية تزور السوق دوريًا، وهو ما يثير تساؤلات حول مستوى الالتزام المحلي وأثر هذا النمط من الاستثمار على القيمة المضافة للاقتصاد الوطني وعدالة المنافسة. وعند قراءة هذا الواقع من زاوية رقمية، تتضح الصورة بشكل أكبر، إذ تشير الإحصاءات المعلنة أن نحو 15% من الاستثمار الأجنبي يتركز في قطاع الجملة والتجزئة، بما يعادل قرابة 18 مليار ريال سعودي، رغم محدودية الأثر التنموي لهذا القطاع مقارنة بغيره من القطاعات. ويتزامن هذا التركز في قطاع الجملة والتجزئة مع نمو تحويلات العاملين إلى الخارج مقارنة بالأعوام السابقة، حيث تجاوزت تحويلات الأفراد 140 مليار ريال في عام، 2024 مع تسجيل نمو يقارب 19% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، وهو ما يستدعي قراءة هذه المؤشرات مجتمعة لفهم طبيعة التدفقات المالية ومدى بقاء القيمة داخل الاقتصاد المحلي. وعلى مستوى السوق، يلاحظ أن شبكات تشغيلية مترابطة باتت تسيطر بشكل شبه كامل على أنشطة محددة داخل قطاع الجملة والتجزئة، بما يشبه احتكارًا واقعيًا غير معلن، يحد من المنافسة، ويضعف فرص المنشآت الوطنية، ويؤدي إلى نشوء أسواق مغلقة يصعب اختراقها بالوسائل النظامية. كما يُلاحظ وجود مجموعة من المؤشرات التي تستوجب التوقف عندها، من أبرزها تنامي عمليات البيع الآجل بين كيانات مترابطة، وارتفاع معدلات التداول النقدي، وكثرة فروقات المخزون في نهاية السنة المالية، واختلاف النشاط الفعلي عن المسجل نظاميًا، وهي علامات استفهام تستدعي الفحص والتدقيق، لفهم أثرها على شفافية السوق وسلامة المنافسة. في المقابل، يواجه المستثمر السعودي معادلة غير متكافئة، بحكم التزامه باتباع الأنظمة والتعليمات، في حين توجد بعض الممارسات التشغيلية وغير النظامية التي تمنح أطرافاً أفضلية تنافسية غير عادلة، والنتيجة ليست فشل تاجر بعينه، بل إقصاء تدريجي للملتزم من السوق. والحديث هنا لا يتعلق بحماية المستثمر السعودي، بل بحماية السوق كنظام عادل، بما يضمن تكافؤ الفرص، وتعزيز الالتزام، والحفاظ على بيئة تنافسية صحية تدعم استدامة النشاط الاقتصادي. وخلاصة القول، إن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تُختزل في تصحيح الشكل النظامي للكيانات، بل في توجيه الاستثمار نحو أنشطة تحقق قيمة مضافة، وتسهم في بناء اقتصاد منتج. فالسوق العادل يستمد قوته من تكامل النمو الكمي مع جودة الأثر الاقتصادي، ومن قدرته على تعزيز المنافسة العادلة وضمان بقاء القيمة داخل الاقتصاد الوطني، بما يجعل ربط الاستثمار الأجنبي بالأثر التنموي طويل المدى خطوة ضرورية تنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 لبناء بيئة استثمارية صحية تخدم الاقتصاد والمجتمع.