الفلسفة هي (أ - ب) علم الاجتماع، وهي صنوان درجته في الدكتوراه -وهي كذلك بالنسبة لبقية العلوم- ومفصل من مفاصل جسده المعرفي والعلمي؛ نظريه وتطبيقيه، وباختصار لا علم اجتماع بلا فلسفة، ولا فلسفة بلا علم اجتماع عام. وإذا كانت الجملة التي أصبحت في حكم المسلمة تقول: إن كافة العلوم تفرعت عن الفلسفة، فإن علم الاجتماع لم يكن في يوم من الأيام تخصصا متفرعا من الفلسفة لأن علم الاجتماع هو الفلسفة والتاريخ والمجتمع بكافة ظواهره وتحولاته وتغيره وتغييراته. علم الاجتماع بكينونته الحالية أخذ اسمه على يد عالم الاجتماع (أوجست كونت) ولكنه لم يأخذ جوهره وأبنيته من نقطة كونت، فقد أخذها ابتداء مع وجود معاني التفكير الاجتماعي منذ عهد فلاسفة الشرق وفلاسفة الغرب، وما قبلهم من تفكير فردي وضع أسس لفكر جمعي، وفلسفة وجودية، وجمالية، وقيمية، وهذه هي الفلسفة بفروعها. كما أن علم الاجتماع كان حاضرا في أساطير الأولين بشكل من الأشكال، وفي الملاحم المختلفة التي انتجتها الحضارات الإنسانية. كان حضور علم الاجتماع حضور واقع وليس حضور مسمى، وبدأ يأخذ بوادر تسميته على يد عالمنا الكبير (ابن خلدون) الذي انتبه إلى أن هناك علما يرصد ويحلل ويشارك دون أن يُمنح اسم أو صفة أو أن يكون له حدود واضحة فأسماه العمران، وربطه بصفة علمية بالبشرية، ودعى إلى تبنيه وتطويره إلى أن جاء العالم الفرنسي الكبير (أوجست كونت) ليختار له اسم (الفيزياء الاجتماعية) ولكنه وجد أنه قد سبق إلى الاسم من عالم آخر ولموضوع مختلف فسماه (علم الاجتماع). وبالعودة إلى الفلسفة وإلى المسلمة التي جعلتها في بداية حديثي فكرة معلقة في جلستنا السقراطية (الفلسفة والمجتمع) يوم الأربعاء 19 نوفمبر 2025م في بيت الثقافة والمكتوبة أعلاه، والتي نحتاج أن نحيلها إلى سؤال: هل الفلسفة أصل تفرعت عنه جميع العلوم؟! والإجابة من وجهة نظري: لا. ولأن الموضوع مرتبط بالفلسفة فنحتاج أن نفلسف الإجابة، ونؤكد أن الفلسفة روح في كل معرفة وعلم، ولكنها روح لا تنشأ دائما قبل جسد ذلك العلم فقد تأتي بعد نشأته الأولى، فنشأة أي علم تأتي غالبا وليدة حاجة أو ما أسماها أحد علماء الاجتماع بالغايات وأسماها آخر الظروف الضرورية للبقاء. ونسأل هنا سؤالا مرتبطا آخر: هل تداول مقولات الفلاسفة وتكرار طرحها ومناقشتها بعيدا عن تبسيطها وإنزالها للواقع ما زال أمرا مفيدا في واقعنا الحالي؟! الإجابة من وجهة نظري: لا. ويبدو أنه حتى في مواطن أولئك الفلاسفة في الغرب والشرق لم يعد هذا الأمر مقبولا، فإذا لم تربط الفلسفة بعلم محدد أو بواقع المجتمع بحيث تخرج من دائرتها الضيقة إلى دائرة المجتمع الواسعة فلن تلاقي قبولا أو رواجا إلا في أضيق مساحة ومن خلال قاعات المحاضرات أو المناسبات النخبوية أو التخصصية. الفلسفة ممارسة مرتبطة بالحياة بكل تفاصيلها وهي جوهر تتشكل منه الأفكار، وتتطور من خلالها البشرية، وتبرز الحضارات، وتفهم بها معاني الوجود وقيم الإنسانية، وتدرك من خلالها الضرورات الخمس، ومستويات اليقين الثلاث.