من يتأمل في معاجم اللغة، يجد أن مادة (غَمَسَ) تشير إلى معانٍ عديدة، منها: الاختلاط بالشيء، والاندماج فيه؛ ولهذا جاء في معجم (العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي (170ه): «غمس: الغمس: إرسال الشيء في الماء، أو غيره. والغماسة من طير الماء غطاط يغتمس كثيرا. والمغامسة: أن يرمي الرجل بنفسه في سِطَةِ الخطب.. والغميس: الغمير تحت اليبيس. واليمين الغموس: التي لا استثناء فيها، وقيل التي يُقتَطَع فيها الحق. والغموس: الشاة التي أنفدَت شهرًا، أو أكثر، ولم يتبين إيلادها.. والغميس: العالي من الأودية، والجميع: الغمسان. وقيل: هو مجرى الماء. والأَجَمَةُ من القَصَب غَميسة. وغَمَسَ النجم أي: غاب»؛ ولذلك فالانغماس في الشيء هو الدخول فيه مع مكث وبقاء، أو غطَّ الشيء في الشيء. وتؤكد المعاجم اللغوية الأخرى على أن معنى الانغماس ينصرف إلى الاندماج، أو الغطّ، أو الامتزاج في الشيء، أو الدخول فيه مع مدة، كما تقول العامة في (التغميس)، الذي هو أكل الطعام ممزوجاً بمرق، أو زيت، أو حساء؛ لذلك ذهب أحمد بن فارس (395ه) في معجمه (مقاييس اللغة) إلى أن «الغين والميم والسين أصلٌ واحد صحيح، يدلُّ على غَطِّ الشيء. يقال: غَمَست الثَّوبَ واليدَ في الماء، إذا غططتَه فيه»، وكذا أشار أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الرازي (666ه) في معجمه (مختار الصحاح): إلى هذا المعنى، فقال: «غَمَسَ الشَّيءَ في الماءِ ونحوهِ غَمْسًا: غَمَرَهُ به. ويقال غَمَسَ اللُّقمةَ في الإِدام». وهكذا يصبح من أهم معاني الانغماس: تحقق الاختلاط، والاندماج، والغط، وبقاء الأثر. ويشير مفهوم (الانغماس اللغوي) إلى الدخول في مجتمعٍ لغوي، والاندماج فيه، والامتزاج معه، والاختلاط به، لتحقيق ثمرة لغوية، أو فائدة تواصلية، سواء أكان ذلك المجتمع اللغوي يمثل اللغة الأم، أم لغة أخرى مختلفة، وقد رأينا هذا النمط من الانغماس اللغوي قديماً عند بعض اللغويين الذين كانوا يجوبون الصحاري، ويقطعون المسافات؛ لكي يجدوا مجتمعاً لغويًّا يضيف إلى معجمهم اللغوي، أو ذاكرتهم المعجمية، وقد كان بعض علماء اللغة الأوائل في عصور سابقة - ولا سيما في عصر ازدهار اللغة، وتطور المؤلفات فيها - يذهبون إلى البادية، ويعيشون مع بعض أهلها، فيختلطون بهم، وينغمسون فيهم، وذلك من أجل تعلّم أصول اللغة العربية الفصحى، ومعرفة مصادرها الأصلية، وتوثيق بعض قواعدها، وكشف أسرارها، ورصد لهجاتها، كل ذلك الانغماس إنما هو من أجل حفظ نقاء اللغة، ودراستها بشكل دقيق، وتوثيق أصولها. واليوم يضطلع مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ضمن مبادراته الرائدة بتعزيز هذا المفهوم تنظيراً، وتطبيقاً، ولكم أعجبني وأعجب كثيراً من أهل اللغة، والناطقين بغيرها، ذلك البرنامج الذي وضعه المجمع تحت مسمى (الانغماس اللغوي)، بهدف نشر اللغة العربية وثقافتها للناطقين بغيرها، وذلك عبر دورات تعليمية قصيرة المدى لمتعلمي اللغة العربية لغةً ثانيةً، المهتمين بالجوانب السياحية والثقافية، وذلك باندماجهم في المجتمع السعودي، وانغماسهم في ثقافته، وتقاليده. ولعل من أهم أهداف هذا (الانغماس اللغوي) الذي ينظمه المجمع: تعليم اللغة العربية لأغراض خاصة (ثقافية، وسياحية)، إضافة إلى تطوير المهارات التواصلية لمتعلِّمي اللغة العربية من خلال انغماسهم في المجتمع المحلي، والثقافة السعودية. والتعريف بالتراث التاريخي السعودي، وثقافة المملكة العربية السعودية. وفي تلك الجهود ما يعزّز القوة الناعمة للهوية اللغوية، والهوية الوطنية؛ لذلك يُشكَر مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية على هذه المبادرات النوعية، التي يمكن لها النجاح في التأسيس اللغوي، للراغبين بتعلم اللغة العربية أشرف اللغات وأسماها.